الموضوع: لا تـيأس
عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 13-04-2006, 08:43 PM
الصورة الرمزية alasklany
alasklany alasklany غير متواجد حالياً
عضو فضى
 





معدل تقييم المستوى: 55 alasklany will become famous soon enough alasklany will become famous soon enough
Post لا تـيأس

 

الحمد لله يجتبي من يشاء ، ويهدي إليه من ينيب .
نعيش اليوم ثلاثة مشاهد ، نستلهم منها درسا ، ونقطف منها عبرة ، ونغرس بها يقينا ، ونقوي بها عزما .
أما المشهد الأول : فإن عامر بن ربيعة رضي الله عنه ، أحد السابقين في الإسلام ، كان يستعد للهجرة إلى الحبشة ، فذهب ليقضي بعض حاجات أهله ، وترك زوجه تنهي بعضها ، فأقبل عليها عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، حتى وقف عليها وهو على شركه ، قالت : وكنا نلقى منه البلاء أذى لنا وشدة علينا . قالت : فقال : إنه الانطلاق يا أم عبدالله . قالت : فقلت : نعم والله ، لنخرجن في أرض الله ، آذيتمونا وقهرتمونا . حتى يجعل الله فرجا . قالت : فقال : صحبكم الله . ورأيت له رقة لم أكن أراها ، ثم انصرف . وقد أحزنه فيما أرى خروجنا . قالت : فجاء عامر بحاجته تلك ، فقلت له : يا أبا عبدالله لو رأيت عمر آنفا ورقته وحزنه علينا . قال : أطمعت في إسلامه ؟ قالت : قلت : نعم . قال : فلا يسلم الذي رأيت حتى يسلم حمار الخطاب . قالت : يأسا منه ، لما كان يرى من غلظته وقسوته عن الإسلام .

لقد يأس الصحابي السابق في إسلامه ، المهاجر فرارا بدينه ، من أن يفتنه قومه ، يأس من إسلام عمر ، فقد كان عمر شديد البطش بالمسلمين ، قاسيا غليظا . ولكن ما كان ميئوسا منه وقع ، وأسلم عمر ، بل سبق اليائس منه في المنزلة ، والمكانة ، وغدا ثالث رجل في دولة الإسلام ، وسماه الرسول صلى الله عليه وسلم الفاروق ، وكان إسلامه عزا للإسلام وأهله .
والعجيب ايها الإخوة الأحبة أن أكثر المسلمين لا يعرفون عامرا ، وليس فيهم من لا يعرف عمرا رضي الله عنهما .

لقد من الله تعالى على عمر بما لم يمن به على اليائس من إسلام عمر ، وتفضل على الميئوس منه بفضل عميم لم ينله اليائس ذلكم أن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ، والله ذو الفضل العظيم .



المشهد الثاني : رسول الله صلى الله عليه وسلم قادم من الطائف ، مجروح فؤاده ، منهكة قواه ، شارد ذهنه ، يائسا من خير ثقيف ، فقد مكث بينهم عشرة أيام يدعوهم إلى عبادة الله وحده ، فقالوا : اخرج من بلادنا . وأغروا به سفهاءهم ، فتبعوه يسبونه ويصيحون به ، ورموه بالحجارة في عراقيبه ، حتى اختضب نعلاه بالدماء ، فلما رجع من الطائف بحاله تلك كئيبا ، محزونا ، كسير القلب ، قد أجهد أيما إجهاد ، ونال منه التعب كل منال . يقول صلى الله عليه وسلم عن نفسه : فانطلقت وأنا مهموم على وجهي ، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب – أي قرن المنازل – المعروف اليوم بالسيل الكبير . فرفعت رأسي فإذا بسحابة قد أظلتني ، فنظرت فإذا فيها جبريل ، فناداني فقال : إن الله قد سمع قول قومك لك ، وما ردوا عليك ، وقد يعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم . فناداني ملك الجبال ، فسلم علي ، ثم قال : يا محمد ، ذلك ، فما شئت ، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين . أي : لفعلت .
فيا لروعة المشهد ، فما بين هلاك مكة عن بكرة أبيها إلا أن يشاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إنها لحظة الانتقام ، شفاء الغل ، سحق الكافرين ، والممتع في المشهد أن الدليل ناصع البيان ، صحيح صريح ، لا تأويل فيه ، ولا احتمال ، بأمر ربه يهلكهم ، بإشارة منه يعلمون أن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل وأن الله هو العلي الكبير . وما هو بملوم ، من ذا يستطيع أن يلومه ؟ لقد كذبوه ، وآذوه ، وقتلوا أصحابه ، وفتنوهم في دينهم ، وعذبوهم ، واضطروهم للهجرة مرتين ، ولا يزالون حجر عثرة في طريق الدعوة ، ونشر دين الله تعالى . ثم إن الذي يأذن له رب السماوات والأرض ، فوالله لو انتقم لنفسه ، وانتصر لأتباعه فما هو بملوم . ولكنه اختار أروع ، وأفضل ، وأسمى من الانتقام ، وأجل وأعظم من حظ النفس ، وراحتها ، وهناها ، فقال للملك : بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئا .
إنها شيمة العظماء ، وتصرف الكرماء ، وقمة الإباء ، ولا يحتملها إلا الأنبياء ، وأتباعهم من أكابر العلماء ، وصفوة الأتقياء .
نهض صلى الله عليه وسلم من الوقوع في عذاب النفس نشطا قويا ، ناظرا بفراسة التقي إلى المستقبل ، إلى البناء ، إلى الإسلام دينا قيما ، راية باسقة في علوها ، جامعة بين دنو الأرض ، وارتفاع السماء .
أيها المسلمون : فلننتقل سويا على المشهد الثالث : لنرى الحبيب بأبي هو وأمي صلوات ربي وسلامه عليه ، لنراه وقد احتدم القتال حوله ، في أحد ، وبدء المشركون يطوقونه يريدون الفتك به ، ولم يكن معه إلا تسعة من أصحابه ، فالتحموا مع المشركين في قتال عنيف ، ظهرت فيه نوادر الحب والتفاني ، والبطولة والبسالة والفداء . فإنه لما أفرد صلى الله عليه وسلم ورهقه المشركون ، قال : من يردهم عنا وله الجنة ؟ أو هو رفيقي في الجنة فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل ، وهكذا ، حتى قتل سبعة من الأنصار ، فقال صلى الله عليه وسلم : ما أنصفنا أصحابنا . وبقي عليه الصلاة في القرشيين من أصحابه ، هما طلحة وسعد ، فكانت فرصة لا تعوض للمشركين في النيل منه ، وطمعوا في القضاء عليه ، فرماه عتبة بن أبي وقاص بالحجارة ، فوقع صلى الله عليه وسلم لشقه . وأصيبت رباعيته اليمنى السفلى ، وكلمت شفته السفلى . وتقدم إليه عبدالله بن شهاب الزهري فشجه في جبهته ، وجاء فاؤس عنيد يقال له عبدالله بن قمئة ، فضرب على عاتقه بالسيف ضربة عنيفة ، ظل صلى الله عليه وسلم يشكو منها أكثر من شهر . ثم ضرب وجنته ضربة أخرى عنيفة كالأولى ، حتى دخلت حلقتان من حلق المغفر في وجنته ، وقال : خذها وأنا ابن قمئة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو يمسح الدم عن وجهه : أقمأك الله .
وفي الصحيحين : فجعل يسلت الدم عنه ويقول : كيف يفلح قوم شجوا وجه نبيهم ، وكسروا رباعيته ، وهو يدعوهم إلى الله . وعند الطبراني أنه قال : اشتد غضب الله على قوم أدموا وجه رسوله .
فيا أيها المسلمون : هل ترون مقالته إلا حقا أبلج ، نعم كيف يفلح قوم أدموا وجه نبيهم ، وكسروا رباعيته ، وهو يدعوهم إلى الله ، وما أشد غضب الله على من أدمى وجه رسوله . فإذا كنا بعد أربعة عشر قرنا وربع القرن نكاد نتميز من الغيظ على ابن قمئة وأصحابه ، فكيف يلام صاحب البلاء نفسه ؟ أو من قد حضر معه الواقعة ، وعاش معه ذلك المشهد رأي العين ؟ ولكن هي لحظة ، ما لبث أن استدركها صلى الله عليه وسلم ، كأنه يعاتب نفسه مع ما فيه من آلام وجراح ، وما يعلمه من الحق الذي معه ، والباطل الذي يتمسك به قومه . فمكث ساعة ثم قال : اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون .
وأنزل المولى تبارك وتعالى قوله : ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون .
إخوة الدين والعقيدة : من هذه المشاهد الثلاث ، نستلهم درسا مهما ، ما أحوجنا إليه في أيامنا هذه ، ولو عقل الدرس بعض القوم لما انتهكت أعراض المسلمين ، وسفكت دماؤهم ، وجروا إلى مواجهة يعلم الكل أنهم فيها هم الخاسرون .
نعم أيها الأحبة : إن أهم ما نقطف من ثمار هذه المشاهد أن لا نيأس ، لا نيأس من رحمة الله ، ولا من نصر الله ، ولا من هداية الله لأي كان .
فعمر أسلم ، وقد ظن عامر أن يسلم الحمار دونه ، وأمهل النبي صلى الله عليه وسلم قومه ، مع كل ما كان يواجهه من ظلم وعنت ، يرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئا ، فأمهل أبا جهل ، وأمية ، والوليد بن المغيرة . ودعا لقومه بالهداية في أحد ، وهم الذين أدموا وجهه ، وكسروا رباعيته ، فقال : رب اهد قومي فإنهم لا يعلمون ، كما في الشفاء للقاضي عياض . فهدى الله من شاء منهم ، وتاب عليهم ، فآمن به واتبعه ، أبناء أولئك الصناديد ، رؤوس الكفر وقادة حزب الشيطان ، نعم ، لقد آمن به واتبعه قائد فرسان المشركين في أحد خالد بن الوليد بن المغيرة ، بل صار سيفا من سيوف الله مسلولا على أهل الكفر والزيغ والعناد . وآمن به صفوان ابن أمية بن خلف ، وآمن به عكرمة بن أبي جهل ، وما كان بين تلك المشاهد إلا بضع سنين بين كل مشهد ومشهد .

أيها المسلمون : هل نستطيع صبر أنفسنا عن شهوة الانتقام ، والانتصار ، والعلو ؟ هل نستطيع كبح جماحها حتى مع وجود الدليل حتى لا تطغى ، أو تحيد أو تميل ؟ ولتنظر في عواقب الأمور ، وتسبر غورها قبل أن تقدم على أي فعل قد ينتج نصرا ، وقهرا ، وعزا في وقته ، ولكنه يزداد من ذلك كله في حال الصبر والتحمل ، والفأل !
ألسنا نميل غالبا إلى أن لا نعطي الدنية في ديننا ؟ وهذا حق ، ولكن قد يكون أحق من هذا الحق ما تثمره شجرة الصبر والتأني والحكمة .
إن اليأس من هداية الناس ، أو إصلاحهم محطم للعزائم ، موهن للهمم ، دافع من تملكه ذلك اليأس إلى قتل نفسه ، وقتل من يظن أنه لا يؤمنون ، وأنهم لا يهتدون . وفي الحديث : من قال هلك الناس فهو أهلكُهم ، أو أهلكَهم ... وكلا المعنيين صحيح .

ولهذا فإن من الواجب علينا أن نتواصى بالحق ، وأن نتواصى بالصبر ، مع الإيمان والعمل الصالح ، ولننظر بعين العطف على الضالين ، ولنغطهم بجناح اللطف والحرص على هدايتهم ، وردهم إلى الله ، ولنسأل الله الثبات على الحق .

وليعلم كل منا أنه ليس وصيا على الناس ، فقد قيل للحبيب صلى الله عليه وسلم : ليس لك من الأمر شيء . وقيل له : وما جعلناك عليهم حفيظا وما أنت عليهم بوكيل . وقيل له : أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين . إن عليك إلا البلاغ .
فما علينا إذا ؟ إن علينا أن ندعو ، وأن نجاهد في دعوتنا ، ونصبر عليها ، ونبذل قصارى الجهد في التبيان ، والدلالة ، والمحاورة ، والوعظ بالحسنى . ونسأل الله لكل ضال أن يهديه ، ويشرح صدره ، ويجنبه طريق الضلال ، وينقذه من النار .
فكما هدى الله عمر رضي الله عنه ، فغدى من تعرفون ، بعد أن كان قاسيا غليظا على المسلمين ، لقوا منه أشد ما يكون من البلاء والشدة ، فعسى أن يهدي فلانا العلماني ، أو فلانا المحارب لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم .
وكما أخرج الله من أصلاب الصناديد المعاندين لدينه ، المحاربين له ولرسوله صلى الله عليه وسلم ، فعسى أن يخرج من أصلاب من نظنهم أشبه القوم بهم من يعبد الله لا يشرك به شيئا . ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض .

 




المصدر : المنتدى الاسلامى - من الاستاذ سات
رد مع اقتباس