عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 11-04-2006, 05:45 PM
الصورة الرمزية alhaker
alhaker alhaker غير متواجد حالياً
استاذ فعال
 




معدل تقييم المستوى: 43 alhaker will become famous soon enough alhaker will become famous soon enough
Post سماحة العلامة السيد جعفر الشيرازي

 

خطبة الجمعة 19 / 7 /2002 لسماحة العلامة السيد جعفر الشيرازي (دام عزه) في حسينية الحوزة الزينبية في حي السيدة زينب (عليها السلام) ـ دمشق



في سلسلة محاضراته الأسبوعية التي يلقيها في يوم الجمعة بين صلاتي الظهر والعصر في الحوزة العلمية الزينبية ألقى سماحة العلامة السيد جعفر الشيرازي (دام عزه) محاضرة تناول فيها حقيقة الإيمان والكيفية التي يتم فيها تحويل دوافع المصلحة الشخصية إلى قنوات تصب في ترسيخ الإيمان في النفوس من خلال قناعات قائمة على أسس متينة ودعامات قوية وفيما يلي نص الخطبة:



بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

قال الله تعالى: (قالَتِ الأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ)[سورة الحجرات: الآية 14] .

نسأل الله عز وجل أن يجعلنا وإياكم من المؤمنين ببركة الصلاة على محمد وآل محمد.

خلق الله عز وجل الإنسان بهيئة معينة يتمكن هذا الإنسان من خلالها التحكم في نفسه حيث له القدرة على سوقها لأية جهة شاء.

قبل أن ندخل في البحث نقدم مقدمة مختصرة، وهي أن الإنسان إذا عود نفسه على شيء فإن نفسه تتطبع على تلك العادة، قد يكون الأمر صعباً على إنسان ما، ولكن الإنسان إذا حول هذا الأمر الصعب إلى عادة يسهل عليه، وقد يعتاد الإنسان على أمر ما يجد صعوبة في تركه ولكنه إذا صمم على تغيير ما اعتاد عليه سيتمكن من ذلك فكما ذكرنا أن الإنسان قد خلق بصورة تمكنه من السيطرة والتحكم بتوجهات نفسه حيث سيجر الإنسان نفسه مع الطبع الجديد على وفاق واتفاق، لذا ينبغي على الإنسان أن يعود نفسه على عادات الخير في البداية، وقد يكون الأمر صعباً عليه ولكن إذا تعود عليه سيسهل عليه.

كما ينبغي على الإنسان أن يعود نفسه على أعمال الخير ينبغي عليه أن يعود الآخرين وخاصة عائلته على أعمال الخير، لذا الأحاديث الشريفة تقول إن الطفل إذا بلغ سبع سنين ينبغي أن تجبره على الصلاة وهي ليست (واجبة) لأنها تجب على البالغ ولكن الهدف من هذا الفعل التربوي التي تحث عليه هذه الأحاديث هو أن الطفل حينما يبلغ ستكون الصلاة سهلة عليه. كما أن الإنسان إذا عود طفلته على الحجاب وهي بعمر سنتان وثلاث سنوات فحينما تبلغ يكون الحجاب سهل عليها، بعض الناس يرون أنه لا إشكال لو تركت البنت دون حجاب وهي سبع أو ثمان سنين باعتبار أنه ليس الحجاب واجب عليها وهي بهذا السن، ولكن حينما تكبر ليس من السهل أن ترتدي الحجاب مباشرة وقد تعصي أبيها ولا تستجيب للعائلة، وإذا استجابت فبصعوبة، وحينما تسنح لها فرصة لترك الحجاب ستتركه، وكذلك الطفل إذا رفع عنه الضغط وهو لم يتعود منذ صغره على الصلاة ومثل كثير من الناس سيترك الصلاة، فينبغي على الإنسان أن يعود نفس وأن يعود الآخرين وخاصة عائلته على أعمال الخير.

ومثال على ذلك بعض الناس اعتاد على أن يقوم في السحر وهذا أمر جيد، ولكنه بالتأكيد كان صعب عليه في البداية ولكن بعد مرة أو مرتين أو ثلاث أو أربع حتى يعتاد على ذلك فيصبح الأمر عنده عادة والأمر عليه سهلاً ويسيراً ولا صعوبة فيه.

وبعض الناس في أغلب الأحيان صلاة الصبح عندهم قضاء، لماذا؟ لأنه اعتاد على السهر والنوم متأخراً، وهو بهذا قد عود نفسه على المعصية بعدم قيامه في السحر أو في وقت الفجر للصلاة الواجبة.

وينبغي على الإنسان الذي اعتاد على مثل هذه الأمور أن يسعى وبكل جدية وعزم لتغيير هذه العادة وسيواجه صعوبة ولكن النفس ستستجيب لهذا الفعل التغييري.

من المشاكل الموجودة في مجتمعاتنا هي أن أغلب شعوبنا لا تقرأ، والقراءة هي أساس الثقافة الدينية وغير الدينية وأيضاً الثقافة الزمنية أي الدنيوية، فالقراءة أساس الثقافة لهذا يقول الله عز وجل: (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ* الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ*عَلَّمَ الإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ) والعلم أساسه القلم الذي يستخدم لكتابة العلوم وتوثيقها لكي تقرأ من قبل الناس، فالإنسان غير المعتاد على القراءة، القراءة عنده ستكون أمر صعب، وإذا ظل على هذه الحالة فستفوته علوم كثيرة، ولأنه يفتقر للكثير من العلوم فسيقع في مخالفات شرعية كثيرة يضر بها نفسه، أما إذا حاول الإنسان أن يعود نفسه على غير هذا وقد يكون أمر صعب ولكن بالتدريج سيتغير.

قرأت في تقرير أنه في بعض البلدان الأطفال حينما يذهبون إلى المدرسة عادة ما يعطونهم أهليهم مبلغاً معيناً لشراء بعض الحاجيات، في هذه الدولة التي ذكرت في التقرير علموا الأطفال على أن يصرفوا قسماً من هذا المال في شراء الكتيبات أو المجلات، فإذا أخذ الطفل المبلغ الذي أعطاه إليه أباه، يصرف جزء من هذا المبلغ لشراء الكتب والقسم الآخر له، فالطفل الذي في الصف الأول يشتري كتاباً يتناسب مع مستواه العقلي والفكري، والطفل الذي في الصف الثاني سيشتري كتباً من مستواه وهكذا..

والنتيجة ستكون تخريج مجموعة من التلاميذ المثقفين الواعين، وبالتالي سيرتفع مستوى الوعي في عموم المجتمع، وإذا ارتفع مستوى الوعي في أي مجتمع ستختفي عدد كبير من المشكلات التي يعاني منها إذا لم تختفي كلها، وإن السبب الذي يقف من وراء العديد من المشكلات التي تعاني منها هو عدم الوعي لابتعادنا عن المطالعة، وسواء هذه المشاكل دينية كما في كثير من الأحيان إذ نلتقي ببعض الناس الذين عندهم مشكلة دينية كبيرة حتى يعتقد أن لا حل لها، والسبب أنه لم يتعلم مسألة شرعية وهي موجودة في جميع الرسائل العملية، لماذا لم يتعلمها؟ لأنه ترك المطالعة ولم يفتح كتاباً، فلو قرأ كل يوم عدداً قليلاً من الأسطر فبغضون شهر أو شهرين سينتهي من قراءة كل المسائل الشرعية، ولكنه ولأنه لم يعتاد على المطالعة وقع في المخالفة، إذ أنه حينما وقع في مشكلة يبحث عن طريق ما للحق ولا يجده، لأنه لم يعتاد المطالعة، ونحن كذلك إذا كان ذلك صعب علينا، فينبغي علينا أن نبدأ بتغيير أنفسنا وستصبح العادة الجديدة أمراً سهلاً.

وعلينا أن نعود أولادنا على المطالعة، مثلما يفكر الإنسان بملء بطنه نهاراً وليلاً ويملأ بطن طفله بالطعام، أيضاً عليه أن يفكر في أن يملأ عقله ويملأ فكره، والأسواق فيها الكثير من الكتب وبأسعار زهيدة.

وقد يقول إنسان ما بأنني فقير الحال وهمي بتوفير الطعام البسيط لعائلتي، فأطفالي ينتظرون مني ولو الخبز ليشبعوا بطونهم، وهذا تفكير أفقر الناس حالاً!

وهنا نسأل لماذا لا يكون مثل هذا التفكير موجود في ما هو أهم من ملأ البطن، فإذا بقي يوماً أو يومين جائعاً ليست مشكلة، لكن إذا بقي ذهنه فارغاً من المعلومات الصحيحة سيمتلأ هذا الذهن بالمعلومات غير الصحيحة أو بالمجاهيل إذا صح التعبير فتترتب عليه آثاراً سيئة سواءاً في الدنيا أو في الآخرة فالدين والدنيا مرتبطة بالعلم والعلم مرتبط بالمطالعة. وهناك كثير من أقسام العلم ترتبط بالقراءة وكذلك بالاستماع، ولكن قليل من العلم يرتبط أخذه بالاستماع، وهذا يعني أن القسم الأكبر من العلم يأخذ عن طرق القراءة، وعلى أية حال فالإنسان إذا أراد أن يعود نفسه على الخير سيتمكن من ذلك بشرط أنه إذا فعل ذلك الخير يحاول أن يرسخه في نفسه، كما عليه أن يحاول في أن يقتنع تماماً بذلك الشيء، وإذا ما حاول الإنسان في ترسيخ عمل الخير في باطن نفسه سيتحول ذلك بالتدريج إلى قناعة في نفسه، وفي حالات أخرى، قد يحدث غير ذلك إذ أنه وبمجرد أن تتغير الظروف (المادية أو المعنوية) نراه سيتغير، لماذا؟!.

لأنه لم يحول هذا الأمر إلى قناعة ولم يحوله إلى أساس راسخ في نفسه، وكثير من الأحيان قد تكون المصلحة هي التي تدفع الإنسان إلى عمل الخير لأنه في عمل الخير مصلحة، فإذا حدث وإن ارتبطت المصلحة مع عمل الخير الذي يفعله إنسان ما، فليعمل على ترسيخ هذا الخير في نفسه حتى يصبح له عادة وعنده قناعة، فإذا زالت هذه المصلحة في يوم من الأيام في ارتباطها عن عمل ذلك الخير يبقى هذا الإنسان متواصلاً في عمله للخير، يقول الله عز وجل في كتابه: (وَما مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ) في غزوة أحد انقلبوا على أعقابهم، لماذا؟!

في البداية كان الإسلام منسجماً مع مصلحتهم الشخصية صاروا من المسلمين ولكنهم نسوا أن الترابط الذي قد يوجد بين عمل الخير ومصلحة الإنسان الشخصية ليس في كل الظروف وفي كل الأحيان، ففي بعض الأحيان يصبح سعي الإنسان لمصلحة ما خلاف عمل الخير، فقد كان دخولهم الإسلام لم يأت عن قناعة ولم يتحول إلى عادة لذا فإنهم انقلبوا على أعقابكم ففروا في غزوة أحد وفي غير غزوة أحد وهذه الآية التي تلوناها في أول البحث، الله عز وجل يقول: (قالت الأعراب آمنا) هؤلاء كانوا مجموعة من الأعراب في أطراف المدينة وكانوا كفاراً، ومن الطبيعي أن الإسلام لا يجبر أحداً على الدخول للإسلام (لا إكراه في الدين)، إلا إذا جاء الإنسان إلى الإسلام بوحي قناعته.

في أحد الأعوام أصاب جدب المدينة وقد عم القحط والغلاء، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) تأتيه الصدقات والزكوات فيوزعها على أصناف من الناس ومنهم الفقراء (إنما الصدقات للفقراء..) إلى آخر الآية، فرأوا أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوزع هذه الصدقات على المسلمين فقط، وهذا أمر طبيعي فالزكاة تؤخذ من المسلمين وتوزع إلى المسلمين، أما الكفار فلهم الصدقة، وقد تكون مستحبة الصدقة للكافر في حال يراد تقريبه وهدايته إلى الإسلام.

وعلى أي حال فعدد من أولئك الأعراب حينما رأوا أن الزكاة توزع على المسلمين فقط عزموا على دخول الإسلام لكي يحصلوا من هذه الزكاة فقالوا لرسول الله (صلى الله عليه وآله) (آمنا) فبينت الآية حقيقة إيمانهم (قل لم تؤمنوا) لأنه لم يكن إيماناً صادقاً بل إنه مجر لقلقة لسان (ولكن قولوا أسلمنا) لأن من تشهد الشهادتين يصبح مسلماً له ما للمسلمين وعليه ما عليهم.

إن من الصحيح أن مصلحة شخصية قادتهم للإسلام ولكن الله عز وجل يحثهم في هذه الآية (ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم) لما تستعمل في نفي الشيء المتوقع حصوله في المستقبل، فحينما نقول لما يأتي زيد يعني: إن زيد لم يأت حتى هذه الساعة ولكن تتوقع مجيئه اليوم أو غداً أو في المستقبل (ولما يدخل الإيمان في قلوبكم) لم يدخل الإيمان إلى قلوبكم حتى هذه الساعة ويريد أن يحثهم على الإيمان، عن طريق ترسيخ هذا الإسلام في قلوبهم الذي جاءوه بدافع المصلحة ليتحول إلى إيمان حقيقي.

حمزة (سيد الشهداء) كان راجعاً ذات يوم من الصيد فرأى أن أبا جهل قد وجه إهانة لرسول الله (صلى الله عليه وآله) فقام حمزة وبدافع حمية العصبية للدفاع عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) وعندما سأل حمزة أبا جهل لماذا فعلت بمحمد (صلى الله عليه وآله) هذا الفعل قال: كذا وكذا، قال حمزة: أنا على دين محمد (صلى الله عليه وآله). العصبية قادته إلى الإسلام، وفي البداية كان الدافع هو العصبية، استمراره بالإسلام حول هذه المصلحة إلى قناعة راسخة وإيمان صادق.

أبو ذر الغفاري كان مشركاً من قبيلة غفار، وكانت هذه القبيلة مجموعة من قطاع الطرق إذ كانوا يتربصون الطريق بين مكة والمدينة، وعندما سمع هذا الرجل بالإسلام جاء فسمع كلام رسول الله (صلى الله عليه وآله) فاسلم وحينما أسلم أسلم معه آخرون، وقد تحول إسلام أبي ذر الغفاري إلى قناعة راسخة لذا فإنه ظل صلباً وفي أشد الظروف حتى قال عنه (صلى الله عليه وآله) (ما ظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر).

وعليه فإذا أردنا أن نكون دائماً على طريق الخير علينا أولاً أن نعود أنفسنا على طريق الخير ثم نحول هذه العادة إلى قناعة، وأن نعلم أبنائنا على الخير من صلاة وصوم والصدق وأعمال الخير الأخرى وأيضاً يجب أن نعودهم على اجتناب الأعمال السيئة والأفعال القبيحة وتركها ونحولها أيضاً إلى عادة ومن ثم إلى قاعة، إذا أن الطفل يسأل لماذا نصلي؟ ويجب أن نبين علة ذلك، وإذا لم نعرف العلة نسأل عنها ثم نبينها له، وكما يلزم علينا أن نعود أنفسنا على فعل الخير ينبغي أن نعود أقربائنا وخاصة أولادنا ثم نعمل على تحويل هذه العادات إلى قناعات حتى إذا وصل الإنسان إلى هذه المرحلة فسيبقى صلباً على مواقفه ثابتاً على إيمانه مهما تغيرت الظروف والأزمان.

نسأل الله عز وجل أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

 




المصدر : المنتدى الاسلامى - من الاستاذ سات
التوقيع

عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ]

عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ]
رد مع اقتباس