عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 11-04-2006, 05:41 PM
الصورة الرمزية alhaker
alhaker alhaker غير متواجد حالياً
استاذ فعال
 




معدل تقييم المستوى: 43 alhaker will become famous soon enough alhaker will become famous soon enough
Post الخطبة الأولى: التقوى في الإيمان بالآخرة

 

بسم الله الرحمن الرحيم




الحمد لله الأول قبل الإنشاء و الإحياء والآخر بعد فناء الأشياء،العليم الذي لا ينسى من ذكره ولا ينقص من شكره و لا يخيب من دعاه و لا يقطع رجاء من رجاه.اللهم اني أشهدك وكفى بك شهيدا واشهد جميع ملائكتك وسكان سماواتك وحملة عرشك ومن بعثت من أنبيائك ورسلك و أنشأت من أصناف خلقك.

أني اشهد انك أنت الله لا اله إلا أنت وحدك لا شريك لك ولا عديل ولا خلف لقولك ولا تبديل،وان محمد (صلى الله عليه وآله) أدى ما حملته الى العباد وجاهد في الله عز وجل حق الجهاد وانه بشر بما هو حق من الثواب وأنذر بما هو صدق من العقاب.

اللهم ثبتني على دينك ما أحييتني ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني وهب لي من لدنك رحمة انك أنت الوهاب.صل على محمد وآل محمد واجعلنا من اتباعه وشيعته واحشرنا في زمرته ووفقنا لاداء فرض الجمعات وما أوجبت علينا فيها من الطاعات وقسمت لاهلها من العطاء في يوم الجزاء انك أنت السميع العليم وصل يا ربنا على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين.

عباد الله..أوصيكم ونفسي بتقوى الله،وان من دواعي تعميق التقوى بالذات،الاطمئنان على الجانب العقائدي عند الإنسان المؤمن،والذي منه الإيمان بالله وملائكته ورسالاته ورسله،و الإيمان باليوم الآخر.

بل ان الإيمان باليوم الآخر ينبغي ان يصل عنده الى درجة اليقين،واليقين درجة متقدمة من الإيمان،فهو علم بعد شك،وقطع بعد تردد.

هكذا يؤكد القرآن الكريم،ان المتقين هم الذين بلغ عندهم الإيمان بالآخرة درجة اليقين،كما في مطلع سورة البقرة في حديثه عن سمات المتقين.

يقول تعالى: "الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك و بالآخرة هم يوقنون"

وحسب مجمع البيان ان "يوقنون" في الآية المباركة،أي يعلمون وسمي العلم يقينا لحصول القطع عليه وسكون النفس إليه فكل يقين علم وليس كل علم يقينا،وذلك لأن اليقين كأنه علم يحصل بعد الاستدلال والنظر لغموض المعلوم.

وهذا يعني ان العلم هنا حصل بعد ان كان صاحبه شاكا فيه،والعدول في خصوص الإيمان بالآخرة عن الإيمان الى الإيقان،كأنه إشارة الى أن التقوى لا تكون إلا مع اليقين بالآخرة الذي لا يجامع نسيانها.وفيه إيحاء الى ان الأصل في معرفة الناس بالآخرة هو الشك والتردد،إذ يتضمن الإيمان بالآخرة الإيمان بحياة بعد الموت وهي خبرة مستقبلية يصعب على الإنسان التصديق بها فلزمه ان يتجاوز المحسوس الى المعقول في التصديق و الإيمان بالآخرة.

ومعنى الإيمان بالآخرة،الإيمان بالبعث والنشور،والحساب،والجنة والنار،وما فيهما من نعيم السعداء وجحيم الأشقياء.

والحق ان اليقين بالآخرة يجعل الإنسان يعطي معنى إيجابيا للحياة الدنيا،ومن ثم يجعل قيمة الشعور بالمسؤولية تتعاظم،وتمتد الحياة الى ابعد من الممارسات الحسية التي نعيشها.

وبذلك فان المتقين يوقنون ان الإنسان لم يخلق سدى وعبثا،ولا تنتهي حياته بمجرد موته،بل له مسيرة تكاملية،تمتد من الدنيا الى الآخرة،ولا شيء من أعمال البشر في هذه الدنيا يبقى بدون جزاء.وهذا اللون من التفكير يبعث في نفس حامله الهدوء والسكينة،ويجعله يتحمل أعباء المسئولية ومشاقها بصدر رحب.


كيف نؤمن بالآخرة؟

الآخرة حدث مستقبلي بالنسبة لكل إنسان،و الأصل فيه الشك لانه غيب،وعادة ما يعطي الناس اهتماماتهم و انشغالا تهم بأمورهم اليومية،ويهربون من التفكير في البعيد،وكأن لسان حالهم

ما مضى فات وما يأت فأين فأغنم الفرصة بين العدمين.

من هنا كان الأصل الشك في الآخرة و متعلقاتها،سيما الحياة بعد الموت،فمن الصعوبة ان يتصور البشر حياة لميت.إذ ان الفهم للموت انه النهاية المطلقة.

ولقد عالجت الرسالات السماوية هذه الإشكالية عند البشر بكل بساطة ويسر،واستخدمت في ذلك ايسر المناهج و أقربها التصاقا بالإنسان،وهو المنهج الحسي،لكي يتحول من شك الى يقين في نظرته الى الحياة بعد الموت،ولا يبقى له أي تردد في الإيمان بكل جزئية في الآخرة تناولها الوحي.الذي افاض على حياة الناس العلم التفصيلي بأحداثها.

بهذا الصدد يقدم لنا القرآن الكريم في خطاب موجه للناس كافة نموذجين حسيين يكشفان إمكانية الحياة بعد الموت"البعث".

الأول:من خلال حياة الإنسان نفسه،وهي اقرب لصيق به.

الثاني:من خلال بيئته الزراعية القريبة منه جدا أيضا.

يقول تعالى: "يا أيها الناس ان كنتم في ريب من البعث فانا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء الى أجل مسمى ثم نحرجكم طفلا ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد الى ارذل العمر لكي لا يعلم من بعد علم شيئا وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج"الحج/5.

ثم يؤكد سبحانه ان ذلك يسير على الله سبحانه وتعالى،و إنما جيء بهذين المثالين الحسيين لكي لا يبقى شك بعد هذا اليقين.

"ذلك بان الله هو الحق وانه يحي الموتى وانه على كل شيء قدير"الحج/6.

من هنا علينا أيها المؤمنون ان نراجع أنفسنا بين برهة و أخرى للتأكيد على يقيننا بالآخرة،ليتجدد الأيمان بداخلنا،وتتعمق التقوى في قلوبنا.وسنرى ان الإيمان يزداد والتقوى تتجذر في القلب اكثر كلما كانت الآخرة حاضرة اكثر في حياتنا اليومية.

لكن الذي يحدث في حياة المؤمنين ان تأثر انشغالا تهم اليومية بالدنيا على يقينهم بالآخرة،فلزم التذكير بصورة مستمرة لا يقاض العقول من سبات الغفلة تحت تأثير حياة الحس والشهود.

يقول تعالى: "وزخرفا وان كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا و الآخرة للمتقين"الزخرف/35.

يؤكد القرآن الكريم في اكثر من آية فيه على ان الحياة الحقيقية للإنسان هي حياته في الآخرة،وما هذه الحياة الدنيا إلا تجربة يمر بها الإنسان تمثل نموذجا لتلك الحياة،بخيرها وشرها.ويفترض فينا عباد الله،كمؤمنين يوقنون باليوم الآخر،ان تكون هذه الحقيقة حاضرة في قلوبهم بصورة دائمة.

يقول تعالى:

"وما الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وان الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون"العنكبوت/64.


بين الدنيا والآخرة:

توقفنا الكثير من الآيات القرآنية أمام مقارنات بين الدنيا والآخرة،وهذه المقارنات هي التي تجعل اليقين باليوم الآخر يتجدد بداخلنا،كلما أمعنا النظر فيها.

لنحاول أيها الأحبة المؤمنون التوقف في هذا اليوم المبارك بين يدي هذه الآيات،ثم ليلقي كل واحد منا نظرة تقويمية على نفسه ليقيس عمق الحضور الفعلي اليومي في حياته للآخرة في قبال الحياة الدنيا بما توفرت عليه من زخرف وبهرجة.

1/ متاع الدنيا لا يمكن قياسه بسعادة الآخرة،وهذه البصيرة تبرز في لحظات التنازع بين الجهاد في سبيل الله بشتى صوره،و الانشغالات الدنيوية،فمن قدم الجهاد في سبيل الله على ارتباطاته الدنيوية كانت الآخرة حاضرة عنده،و إلا فانه لم يتخلص من تأثيرات الدنيا.

نفهم هذه البصيرة من الآية المباركة:

"يا أيها الذين آمنوا ما لكم اذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم الى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل"التوبة/38.

وحتى رزق الإنسان لا ينبغي ان يكون معوقا له عن الانطلاق في سبيل الله اذا ما نودي للنفير.

"الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر وفرحوا بالحياة الدنيا وما الحياة الدنيا في الآخرة الا متاع"الرعد/26.

2/الدنيا عبارة عن تمثيلية يجرب فيها الإنسان،خبراته ويكتشف إمكانياته الذاتية،وهو بذلك يتسلح نفسيا للآخرة لان الخير هنا اعظم بكثير مما خبره في الدنيا.وبذلك فان الخبرة الخيرية عند الإنسان في الدنيا ستشكل دافعا قويا له لنيل خير الآخرة.

"وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون"الأنعام/32.

"والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون"الأعراف/169.

"قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا"النساء/77.

"ولدار الآخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون"يوسف/109.

"وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين"النحل/30.

3/يبحث الإنسان في هذه الدنيا عن الأجر،ويفضل وظيفة على أخرى لزيادة العائد المادي في الأولى على الثانية،وهذا حق مشروع للإنسان،لكن الأجر الذي لا يمكن تصوره هو اجر الآخرة،فكلمة هنا تورث الإنسان ثراء عريضا في الآخرة.ومهما حاول الإنسان مقارنة اجر الدنيا بأجر الآخرة فلن يكون هنالك وجه للمقارنة.

يقول تعالى: "ولأجر الآخرة خير للذين أمنوا وكانوا يتقون"يوسف/57.

بل ان معاناة المؤمن في هذه الدنيا وصبره وتحمله في ذات الله،انعكس ذلك في هجرة او جهاد،لا يمكن ان يمر دون أجر عند الله سبحانه وتعالى،من هنا تعظم قيمة الجهد الذي يبذله المؤمن في سبيل الله،ويتحول الى رصيد كبير في الآخرة.

يقول تعالى: "والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون"النحل/41.

4/الدنيا خلقها الله عينة يختبر فيها عباده،لكن مظاهرها تخدع الإنسان فتنسيه غاية خلقها،فيخرج عن حدوده الطبيعية،فيستخدم وسائلها للعلو و الإفساد،وهؤلاء الذين لم يستوعبوا غاية خلق الدنيا،غير جديرين بالاستفادة من الحياة الحقيقية في الآخرة.بل هي للذين عرفوا حقيقة الأولى،فتجاوزوا الاختبار بنجاح.

"تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين"القصص/83.

5/الدنيا دار مؤقتة،مثل مثل وسائلها التي نستخدمها لفترة وجيزة ثم ننتقل الى وسيلة غيرها،بينما الآخرة هي الدار التي سيستقر فيها الإنسان بصورة نهائية،وليس عاقلا من قدم المؤقت على الدائم،والمتغير على الثابت.

يقول تعالى: "يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وان الدار الآخرة هي دار القرار"غافر/39.

6/وكما لا قياس ولا مقارنة بين خير الدنيا وخير الآخرة واجر الدنيا واجر الآخرة وحياة الدنيا وحياة الآخرة،كذلك لا مقارنة بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة.فليحذر المرء من هول تلك الدار وعذابها ان خالف أوامر الله سبحانه وتعالى في هذه الدنيا.

يقول تعالى: "فأذاقهم الله الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون"الزمر/26.

ويقول أيضا جل وعلى:

"فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون"فصلت/16.

ويقول أيضا: "كذلك العذاب ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون"القلم/33.

تعالوا عباد الله إذن،نركز من تقوانا عبر تعميق البعد العقائدي،بتأكيد اليقين باليوم الآخر.

نسأله جل وعلى ان يجعلنا من الموقنين بالآخرة المبادرين للعمل لها والسعي لها سعيها،انه قريب مجيب الدعاء.

بسم الله الرحمن الرحيم

"قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا انتم عابدون ما أعبد و لا أنا عابد ما عبدتم ولا انتم عابدون ما أعبد لكم دينكم ولي دين" صدق الله العلي العظيم

والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه أجمعين محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين.

 




المصدر : المنتدى الاسلامى - من الاستاذ سات
التوقيع

عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ]

عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ]
رد مع اقتباس