عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 16-04-2012, 07:16 AM
الصورة الرمزية شرقاوى_دش
شرقاوى_دش شرقاوى_دش غير متواجد حالياً
متألق
 




معدل تقييم المستوى: 36 شرقاوى_دش will become famous soon enough شرقاوى_دش will become famous soon enough
افتراضي في ظـلال القـُرآن للشيخ : سَــيّد قطـْب ....سورة آل عمران

 



سورة آل عمران
سورة آل عمران مدنية وآياتها مائتان

التعريف بسورة آل عمران

بسم الله الرحمن الرحيم

هذا القرآن هو كتاب هذه الدعوة . هو روحها وباعثها . وهو قوامها وكيانها . وهو حارسها وراعيها . وهو بيانها وترجمانها . وهو دستورها ومنهجها . وهو في النهاية المرجع الذي تستمد منه الدعوة - كما يستمد منه الدعاة - وسائل العمل , ومناهج الحركة , وزاد الطريق . .

ولكن ستظل هنالك فجوة عميقة بيننا وبين القرآن ما لم نتمثل في حسنا , ونستحضر في تصورنا أن هذا القرآن خوطبت به أمة حية , ذات وجود حقيقي ; ووجهت به أحداث واقعية في حياة هذه الأمة ; ووجهت به حياة إنسانية حقيقية في هذه الأرض ; وأديرت به معركة ضخمة في داخل النفس البشرية وفي رقعة من الأرض كذلك . معركة تموج بالتطورات والانفعالات والاستجابات .

وسيظل هنالك حاجز سميك بين قلوبنا وبين القرآن , طالما نحن نتلوه أو نسمعه كأنه مجرد تراتيل تعبدية مهومة , لا علاقة لها بواقعيات الحياة البشرية اليومية التي تواجه هذا الخلق المسمى بالإنسان , والتي تواجه هذه الأمة المسماة بالمسلمين ! بينما هذه الآيات نزلت لتواجه نفوسا ووقائع وأحداثا حية , ذات كينونة واقعية حية ; ووجهت بالفعل تلك النفوس والوقائع والأحداث توجيها واقعيا حيا , نشأ عنه وجود , ذو خصائص في حياة "الإنسان" بصفة عامة , وفي حياة الأمة المسلمة بوجه خاص .

ومعجزة القرآن البارزة تكمن في أنه نزل لمواجهة واقع معين في حياة أمة معينة , في فترة من فترات التاريخ محددة , وخاض بهذه الأمة معركة كبرى حولت تاريخها وتاريخ البشرية كله معها , ولكنه - مع هذا - يعايش ويواجه ويملك أن يوجه الحياة الحاضرة , وكأنما هو يتنزل اللحظة لمواجهة الجماعة المسلمة في شؤونها الجارية , وفي صراعها الراهن مع الجاهلية من حولها , وفي معركتها كذلك في داخل النفس , وفي عالم الضمير , بنفس الحيوية , ونفس الواقعية التي كانت له هناك يومذاك .

ولكي نحصل نحن من القرآن على قوته الفاعلة , وندرك حقيقة ما فيه من الحيوية الكامنة , ونتلقى منه التوجيه المدخر للجماعة المسلمة في كل جيل . . ينبغي أن نستحضر في تصورنا كينونة الجماعة المسلمة الأولى التي خوطبت بهذا القرآن أول مرة . . كينونتها وهي تتحرك في واقع الحياة , وتواجه الأحداث في المدينة وفي الجزيرة العربية كلها ; وتتعامل مع أعدائها وأصدقائها ; وتتصارع مع شهواتها وأهوائها ; ويتنزل القرآنحينئذ ليواجه هذا كله , ويوجه خطاها في أرض المعركة الكبيرة:مع نفسها التي بين جنبيها , ومع أعدائها المتربصين بها في المدينة وفي مكة وفيما حولهما . . وفيما وراءهما كذلك . .

أجل . . يجب أن نعيش مع تلك الجماعة الأولى ; ونتمثلها في بشريتها الحقيقية , وفي حياتها الواقعية , وفي مشكلاتها الإنسانية ; ونتأمل قيادة القرآن لها قيادة مباشرة في شؤونها اليومية وفي أهدافها الكلية على السواء ; ونرى كيف يأخذ القرآن بيدها خطوة خطوة . وهي تعثر وتنهض . وتحيد وتستقيم . وتضعف وتقاوم . وتتألم وتحتمل . وترقى الدرج الصاعد في بطء ومشقة , وفي صبر ومجاهدة , تتجلى فيها كل خصائص الإنسان , وكل ضعف الإنسان , وكل طاقات الإنسان .

ومن ثم نشعر أننا نحن أيضا مخاطبون بالقرآن في مثل ما خوطبت به الجماعة الأولى . وأن بشريتنا التي نراها ونعرفها ونحسها بكل خصائصها , تملك الاستجابة للقرآن , والانتفاع بقيادته في ذات الطريق .

إننا بهذه النظرة سنرى القرآن حيا يعمل في حياة الجماعة المسلمة الأولى ; ويملك أن يعمل في حياتنا نحن أيضا . وسنحس أنه معنا اليوم وغدا . وأنه ليس مجرد تراتيل تعبدية مهومة بعيدة عن واقعنا المحدد , كما أنه ليس تاريخا مضى وانقضى وبطلت فاعليته وتفاعله مع الحياة البشرية .

إن القرآن حقيقة ذات كينونة مستمرة كهذا الكون ذاته . الكون كتاب الله المنظور . والقرآن كتاب الله المقروء . وكلاهما شهادة ودليل على صاحبه المبدع ; كما أن كليهما كائن ليعمل . . والكون بنواميسه ما زال يتحرك ويؤدي دوره الذي قدره له بارئه . الشمس ما زالت تجري في فلكها وتؤدي دورها , والقمر والأرض , وسائر النجوم والكواكب لا يمنعها تطاول الزمان من أداء دورها , وجدة هذا الدور في المحيط الكوني . . والقرآن كذلك أدى دوره للبشرية , وما يزال هو هو . فالإنسان ما يزال هوهو كذلك . ما يزال هو هو في حقيقته وفي أصل فطرته . وهذا القرآن هو خطاب الله لهذا الإنسان - فيمن خاطبهم الله به . خطاب لا يتغير , لأن الإنسان ذاته لم يتبدل خلقا آخر , مهما تكن الظروف والملابسات قد تبدلت من حوله , ومهما يكن هو قد تأثر وأثر في هذه الظروف والملابسات . . والقرآن يخاطبه في أصل فطرته وفي أصل حقيقته التي لا تبديل فيها ولا تغيير ; ويملك أن يوجه حياته اليوم وغدا لأنه معد لهذا , بما أنه خطاب الله الأخير ; وبما أن طبيعته كطبيعة هذا الكون ثابتة متحركة بدون تبديل .

وإذا كان من المضحك أن يقول قائل عن الشمس مثلا:هذا نجم قديم "رجعي ? " يحسن أن يستبدل به نجم جديد "تقدمي ! " أو أن هذا "الإنسان" مخلوق قديم "رجعي" يحسن أن يستبدل به كائن آخر "تقدمي" لعمارة هذه الأرض !!!

إذا كان من المضحك أن يقال هذا أو ذاك , فأولى أن يكون هذا هو الشأن في القرآن . خطاب الله الأخير للإنسان .

وهذه السورة تمثل قطاعا حيا من حياة الجماعة المسلمة في المدينة من بعد "غزوة بدر" - في السنة الثانيةمن الهجرة - إلى ما بعد "غزوة أحد" في السنة الثالثة . وما أحاط بهذه الحياة من ملابسات شتى في خلال هذه الفترة الزمنية . وفعل القرآن - إلى جانب الأحداث - في هذه الحياة , وتفاعله معها في شتى الجوانب .

والنصوص من القوة والحيوية بحيث تستحضر صورة هذه الفترة ; وصورة الحياة التي عاشتها الجماعة المسلمة ; وصورة الاشتباكات والملابسات التي أحاطت بهذه الحياة . مع استبطان السرائر والضمائر , وما يدب فيها من الخواطر , وما يشتجر فيها من المشاعر , حتي لكأن قارئها يعيش هذه الأحداث , ويعايش الأمة التي كانت تخوضها وتتفاعل وإياها . ولو أغمض الإنسان عينيه فلربما تراءت له - كما تراءت لي - شخوص الجماعة المسلمة رائحة غادية , بسماتها الظاهرة على الوجوه , ومشاعرها المستكنة في الضمائر . ومن حولها أعداؤها يتربصون بها , ويبيتون لها , ويلقون بينها بالفرية والشبهة , ويتحاقدون عليها , ويجمعون لها , ويلقونها في الميدان , وينهزمون أمامها - في أحد - ثم يكرون عليها فيوقعون بها . . وكل ما يجري في المعركة من حركة وكل ما يصاحب حركاتها من انفعال باطن وسمة ظاهرة . . والقرآن يتنزل ليواجه الكيد والدس , ويبطل الفرية والشبهة , ويثبت القلوب والأقدام , ويوجه الأرواح والأفكار , ويعقب على الحادث ويبرز منه العبرة , ويبني التصور ويزيل عنه الغبش , ويحذر الجماعة المسلمة من العدو الغادر والكيد الماكر , ويقود خطاها بين الأشواك والمصايد والأحابيل , قيادة الخبير بالفطرة العليم بما تكن الصدور . .

ومن وراء هذا كله تبقى التوجيهات والتلقينات التي احتوتها السورة خالصة طليقة من قيد الزمان والمكان , وقيد الظروف والملابسات , تواجه النفس البشرية , وتواجه الجماعة المسلمة - اليوم وغدا - وتواجه الإنسانية كلها , وكأنها تتنزل اللحظة لها , وتخاطبها في شأنها الحاضر , وتواجهها في واقعها الراهن . ذلك أنها تتناول أمورا وأحداثا ومشاعر وجدانية وحالات نفسية كأنما كانت ملحوظة في سياق السورة . . بل هي ملحوظة قطعا في تقدير العليم الخبير بالنفوس والأشياء والأمور .

ومن ثم يتجلى أن هذا القرآن هو قرآن هذه الدعوة في أي مكان وفي أي زمان . وهو دستور هذه الأمة في أي جيل ومن أي قبيل . وهو حادي الطريق وهادي السبيل على توالي القرون . . ذلك أنه خطاب الله الأخير لهذا الإنسان في جميع العصور . .

في هذه الفترة كانت الجماعة المسلمة في المدينة قد استقرت بعض الاستقرار في موطنها الجديد في مدينة الرسول [ ص ] ومضت خطوة وراء الموقف الذي صورناه من قبل في هذه الظلال في مطلع استعراض "سورة البقرة " .

كانت غزوة بدر الكبرى قد وقعت ; وكتب الله فيها النصر للمسلمين على قريش . وكان هذا النصر بظروفه التي تم فيها والملابسات التي أحاطت به تبدو فيه رائحة المعجزة الخارقة . . ومن ثم اضطر رجل كعبد الله بن أبي بن سلول من عظماء الخزرج أن ينزل عن كبريائه وكراهته لهذا الدين ونبيه [ ص ] وأن يكبت حقده وحسده للرسول الكريم ; وأن ينضم - منافقا - للجماعة المسلمة , وهو يقول:"هذا أمر قد توجه" . . أي ظهرت له وجهة هو ماض فيها لا يرده عنها راد !

بذلك وجدت بذرة النفاق في المدينة - أو تمت وأفرخت , فقد كان هناك قبل بدر من اضطروا لمنافقة أهلهم الذين دخلوا في الإسلام - وأصبحت مجموعة من الرجال , ومن ذوي المكانة فيهم , مضطرة إلى التظاهر بالإسلام , والانضمام إلى المجتمع المسلم , بينما هي تضمر في أنفسها الحقد والعداء للإسلام والمسلمين ; وتتربص بهم الدوائر ; وتتلمس الثغرات في الصف ; وتترقب الأحداث التي تضعضع قوى المسلمين أو تزعزع الصف المسلم , ليظهروا كوامن صدورهم , أو ليضربوا ضربة الإجهاز إذا كان ذلك في مكنتهم !

وقد وجد هؤلاء المنافقون حلفاء طبيعيين لهم في اليهود , الذين كانوا يجدون في أنفسهم من الحقد على الإسلام والمسلمين , وعلى نبي الإسلام عليه الصلاة والسلام مثل ما يجد المنافقون بل أشد . وقد هددهم الإسلام تهديدا قويا في مكانتهم بين "الأميين" من العرب في المدينة ; وسد عليهم الثغرة التي كانوا ينفذون منها للعب بين الأوس والخزرج , بعدما أصبحوا بنعمة الله إخوانا , وفي ظل الإسلام صفا واحدا مرصوصا .

وقد غص اليهود وشرقوا بانتصار المسلمين في بدر , وارتفع غليان حقدهم على الجماعة المسلمة , وانطلقوا بكل ما يمكلون من دس وكيد وتآمر يحاولون تفتيت الصف الإسلامي , وإلقاء الحيرة في قلوب المسلمين , ونشر الشبهات والشكوك , في عقيدتهم وفي أنفسهم على السواء !

وفي هذه الفترة وقع حادث بني قينقاع فوضح العداء وسفر . . على الرغم مما كان بين اليهود والنبي [ ص ] من مواثيق أبرمها معهم عقب مقدمه إلى المدينة .

كذلك كان المشركون موتورين من هزيمتهم في بدر , يحسبون ألف حساب لانتصار محمد [ ص ] ومعسكر المدينة , وللخطر الذي يتمثل إذن على تجارتهم وعلى مكانتهم وعلى وجودهم كذلك ! ومن ثم يتهيأون لدفع هذا الخطر الماحق قبل أن يصبح القضاء عليه مستحيلا .

وبينما كان أعداء المعسكر الإسلامي في عنفوان قوتهم وفي عنفوان حقدهم كذلك ! كان الصف المسلم ما يزال في أوائل نشأته بالمدينة . غير متناسق تماما . فيه الصفوة المختارة من السابقين من المهاجرين والأنصار ; ولكن فيه كذلك نفوس وشخصيات لم تنضج بعد . والجماعة كلها على العموم لم تنل من التجارب الواقعية ما يسوي النتوءات , ويوضح حقيقة الدعوة وحقيقة الظروف الملابسة لها , وحقيقة منهجها العملي وتكاليفه .

كان للمنافقين - وعلى رأسهم عبد الله بن أبي - مكانتهم في المجتمع , وروابطهم العائلية والقبلية لم تنفصم بعد ; ولم ينضج في نفوس المسلمين الشعور بأن عقيدتهم وحدها هي أسرتهم وهي قبيلتهم وهي وشيجتهم التي لا وشيجة معها . ومن ثم كانت هناك خلخلة في الصف الإسلامي بسبب وجود مثل هذه العناصر مندمجة في الصف , مؤثرة في مقاديره . [ كما يتجلى ذلك في أحداث غزوة أحد عند استعراض النصوص الخاصة بها في السورة ] .

وكان لليهود مكانتهم كذلك في المدينة , وارتباطاتهم الاقتصادية والتعهدية مع أهلها . ولم يتبين عداؤهم سافرا . ولم ينضج في نفوس المسلمين كذلك الشعور بأن عقيدتهم وحدها هي العهد وهي الوطن وهي أصل التعامل والتعاقد , وأنه لا بقاء لصلة ولا وشيجة إذا هي تعارضت مع العقيدة ! ومن ثم كانت لليهود فرصة للتوجيه والتشكيك والبلبلة . وكان هناك من يسمع لقولهم في الجماعة المسلمة ويتأثر به . وكان هناك من يدفع عنهم ما يريد النبي [ ص ] أن ينزل بهم من إجراءات لدفع كيدهم عن الصف المسلم [ كما حدث في شفاعة عبد الله بن أبي في بني قينقاع , وإغلاظه في هذا للرسول [ ص ] ] .

ومن ناحية أخرى كان المسلمون قد انتصروا في بدر ذلك النصر الكامل الباهر بأيسر الجهد والبذل . فقدخرج ذلك العدد القليل من المسلمين , غير مزودين بعدة ولا عتاد - إلا اليسير - فلاقوا ذلك الجحفل الضخم من قريش في عدتهم وعتادهم . ثم لم تلبث المعركة أن انجلت عن ذلك النصر المؤزر الباهر .

وكان هذا النصر في الوقعة الأولى التي يلتقي فيها جند الله بجند الشرك قدرا من قدر الله . ندرك اليوم طرفا من حكمته . ولعله كان لتثبيت الدعوة الناشئة وتمكينها . بل لإثبات وجودها الفعلي على محك المعركة , لتأخذ بعد ذلك طريقها .

فأما المسلمون فلعلهم قد وقع في نفوسهم - من هذا النصر - أنه الشأن الطبيعي الذي لا شأن غيره . وأنه لا بد ملازمهم على أي حال في كل مراحل الطريق ! أليسوا بالمسلمين ? أليس أعداؤهم بالكافرين ? وإذن فهو النصر لا محالة حيثما التقى المسلمون بالكافرين !

غير أن سنة الله في النصر والهزيمة ليست بهذه الدرجة من البساطة والسذاجة , فلهذه السنة مقتضياتها في تكوين النفوس , وتكوين الصفوف , وإعداد العدة , واتباع المنهج , والتزام الطاعة والنظام , واليقظة لخوالج النفس ولحركات الميدان . . وهذا ما أراد الله أن يعلمهم إياه بالهزيمة في "غزوة أحد" على النحو الذي تعرضه السورة عرضا حيا مؤثرا عميقا , وتعرض أسبابه من تصرفات بعض المسلمين ; وتوجه في ظله العظات البناءة للنفس وللصف على السواء .

وحين نراجع غزوة أحد نجد أن تعليم المسلمين هذا الدرس قد كلفهم أهوالا وجراحات وشهداء من أعز الشهداء - على رأسهم حمزة رضي الله عنه وأرضاه - وكلفهم ما هو أشق من ذلك كله على نفوسهم . . كلفهم أن يروا رسولهم الحبيب تشج جبهته وتكسر سنة , ويسقط في الحفرة , ويغوص حلق المغفر في وجنته [ ص ] الأمر الذي لا يقوم بوزنه شيء في نفوس المسلمين !

ويسبق استعراض "غزوة أحد" وأحداثها في السورة قطاع كبير تستغرقه كله توجيهات متشعبة لتصفية التصور الإسلامي من كل شائبة ; ولتقرير حقيقة التوحيد جلية ناصعة , والرد على الشبهات التي يلقيها أهل الكتاب , سواء منها ما هو ناشىء من انحرافاتهم هم في معتقداتهم , وما يتعمدون إلقاءه في الصف المسلم من شبهات ماكرة لخلخلة العقيدة وخلخلة الصف من وراء خلخلة العقيدة .

وتذكر عدة روايات أن الآيات من 1 - 83 نزلت في الحوار مع وفد نصارى نجران اليمن الذي قدم المدينة في السنة التاسعة للهجرة . ونحن نستبعد أن تكون السنة التاسعة هي زمن نزول هذه الآيات . فواضح من طبيعتها وجوها أنها نزلت في الفترة الأولى من الهجرة , حيث كانت الجماعة المسلمة بعد ناشئة . وكان لدسائس اليهود وغيرهم أثر شديد في كيانها وفي سلوكها .

وسواء صحت رواية أن الآيات نزلت في وفد نجران أم لم تصح ; فإنه واضح من الموضوع الذي تعالجه أنها تواجه شبهات النصارى وبخاصة ما يتعلق منها بعيسى عليه السلام , وتدور حول عقيدة التوحيد الخالص كما جاء به الإسلام . وتصحح لهم ما أصاب عقائدهم من انحراف وخلط وتشويه . وتدعوهم إلى الحق الواحد الذي تضمنته كتبهم الصحيحة التي جاء القرآن بصدقها .

ولكن هذا الفصل يتضمن كذلك إشارات وتقريعات لليهود وتحذيرات للمسلمين من دسائس أهل الكتاب . وما كان يجاورهم في المدينة من أهل الكتاب ممن يمثل مثل هذا الخطر إلا اليهود .

وعلى أية حال فإن هذا الفصل الذي يستغرق حوالي نصف السورة يصور جانبا من جوانب الصراع بينالعقيدة الإسلامية والعقائد المنحرفة في الجزيرة كلها . . وهو ليس صراعا نظريا إنما هو الجانب النظري من المعركة الكبيرة الشاملة بين الجماعة المسلمة الناشئة وكل أعدائها الذين كانوا يتربصون بها , ويتحفزون من حولها , ويستخدمون في حربها كل الأسلحة وكل الوسائل . وفي أولها زعزعة العقيدة ! وهي في صميمها المعركة التي ما تزال ناشبة إلى هذه اللحظة بين الأمة المسلمة وأعدائها . . إنهم هم هم:الملحدون المنكرون , والصهيونية العالمية , والصليبية العالمية !!!

ومن مراجعة نصوص السورة يتبين أن الوسائل هي الوسائل كذلك ; والأهداف هي الأهداف . ويتجلى أن هذا القرآن هو قرآن هذه الدعوة , ومرجع هذه الأمة - اليوم وغدا - كما كان قرآنها ومرجعها بالأمس في نشأتها الأولى . وأنه لا يعرض عن استنصاح هذا الناصح واستشارة هذا المرجع في المعركة الناشبة اليوم إلا مدخول يعرض عن سلاح النصر في المعركة ; ويخدع نفسه أو يخدع الأمة , لخدمة أعدائها القدامى المحدثين في غفلة بلهاء أو في خبث لئيم !

ومن خلال المناقشات والجدل والاستعراض والتوجيه في هذا المقطع الأول يتبين موقف أهل الكتاب المنحرفين عن كتابهم , من الجماعة المسلمة والعقيدة الجديدة , ممثلا في أمثال هذه النصوص:

*هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات . فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه , ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله . . .*. .

*ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم , ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون ?*. .

*يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده . . . ?*. .

*ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم . .*. .

*يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون ?*. .

*يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون ?*. .

*وقالت طائفة من أهل الكتاب:آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون* , *ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ! . .*. .

*ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما . ذلك بأنهم قالوا:ليس علينا في الأميين سبيل ! ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون*. .

*وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب - وما هو من الكتاب - ويقولون:هو من عند الله وما هو من عند الله . ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون*. .

*قل:يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما تعملون*. .

*قل:يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا وأنتم شهداء ?*.

*ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله . وإذا لقوكم قالوا:آمنا . وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ*. .

*إن تمسسكم حسنة تسؤهم , وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها*. .

وهكذا نرى أن أعداء الجماعة المسلمة لم يكونوا يحاربونها في الميدان بالسيف والرمح فحسب ; ولم يكونوا يؤلبون عليها الأعداء ليحاربوها بالسيف والرمح فحسب . . إنما كانوا يحاربونها أولا في عقيدتها . كانوا يحاربونها بالدس والتشكيك , ونثر الشبهات وتدبير المناورات ! كانوا يعمدون أولا إلى عقيدتها الإيمانية التي منها انبثق كيانها , ومنها قام وجودها , فيعملون فيها معاول الهدم والتوهين . ذلك أنهم كانوا يدركون كما يدركون اليوم تماما - أن هذه الأمة لا تؤتى إلا من هذا المدخل ; ولا تهن إلا إذا وهنت عقيدتها ; ولا تهزم إلا إذا هزمت روحها ; ولا يبلغ أعداؤها منها شيئا وهي ممسكة بعروة الإيمان , مرتكنة إلى ركنه , سائرة على نهجه , حاملة لرايته , ممثلة لحزبه , منتسبة إليه , معتزة بهذا النسب وحده .

ومن هنا يبدو أن أعدى أعداء هذه الأمة هو الذي يلهيها عن عقيدتها الإيمانية , ويحيد بها عن منهج الله وطريقه , ويخدعها عن حقيقة أعدائها وحقيقة أهدافهم البعيدة .

إن المعركة بين الأمة المسلمة وبين أعدائها هي قبل كل شيء معركة هذه العقيدة . وحتى حين يريد أعداؤها أن يغلبوها على الأرض والمحصولات والاقتصاد والخامات , فإنهم يحاولون أولا أن يغلبوها على العقيدة , لأنهم يعلمون بالتجارب الطويلة أنهم لا يبلغون مما يريدون شيئا والأمة المسلمة مستمسكة بعقيدتها , ملتزمة بمنهجها , مدركة لكيد أعدائها . . ومن ثم يبذل هؤلاء الأعداء وعملاؤهم جهد الجبارين في خداع هذه الأمة عن حقيقة المعركة , ليفوزوا منها بعد ذلك بكل ما يريدون من استعمار واستغلال , وهم آمنون من عزمة العقيدة في الصدور !

وكلما ارتقت وسائل الكيد لهذه العقيدة , والتشكيك فيها , والتوهين من عراها , استخدم أعداؤها هذه الوسائل المترقية الجديدة . ولكن لنفس الغاية القديمة: *ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم !!!*. . فهذه هي الغاية الثابتة الدفينة !

لهذا كان القرآن يدفع هذا السلاح المسموم أولا . . كان يأخذ الجماعة المسلمة بالتثبيت على الحق الذي هي عليه ; وينفي الشبهات والشكوك التي يلقيها أهل الكتاب ; ويجلو الحقيقة الكبيرة التي يتضمنها هذا الدين ; ويقنع الجماعة المسلمة بحقيقتها وقيمتها في هذه الأرض , ودورها ودور العقيدة التي تحملها في تاريخ البشرية .

وكان يأخذها بالتحذير من كيد الكائدين , ويكشف لها نواياهم المستترة ووسائلهم القذرة , وأهدافهم الخطرة , وأحقادهم على الإسلام والمسلمين , لاختصاصهم بهذا الفضل العظيم . .

وكان يأخذها بتقرير حقيقة القوى وموازينها في هذا الوجود . فيبين لها هزال أعدائها , وهوانهم على الله , وضلالهم وكفرهم بما أنزل الله إليهم من قبل وقتلهم الأنبياء . كما يبين لها أن الله معها , وهو مالك الملك المعز المذل وحده بلا شريك . وأنه سيأخذ الكفار [ وهو تعبير هنا عن اليهود ] بالعذاب والنكال ; كما أخذ المشركين في بدر منذ عهد قريب .

وكانت هذه التوجيهات تتمثل في أمثال هذه النصوص:

*الله لا إله إلا هو الحي القيوم . نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه , وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس , وأنزل الفرقان . إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد , والله عزيز ذو انتقام . إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء*. .

*إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك هم وقود النار . كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم والله شديد العقاب . قل للذين كفروا:ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد . قد كان لكم آية في فئتين التقتا:فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين . والله يؤيد بنصره من يشاء . إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار*. .

*إن الدين عند الله الإسلام , وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم , ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب*. .

*ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين*. .

*قل اللهم مالك الملك , تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء , وتعز من تشاء وتذل من تشاء , بيدك الخير , إنك على كل شيء قدير*. .

*لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين . ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه , وإلى الله المصير*. .

*إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين*. .

*أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السموات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون ?*. .

*يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين . وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ? ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم*.

*يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون . واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا . واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم , فأصبحتم بنعمته إخوانا . وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها , كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون . . .*. .

*كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله . ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم , منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون . لن يضروكم إلا أذى , وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون . ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا - إلا بحبل من الله وحبل من الناس - وباؤوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة . ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق , ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون*. .

*يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا . ودوا ما عنتم . قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر . قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون . ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم , وتؤمنون بالكتاب كله . وإذا لقوكم قالوا:آمنا , وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ . قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور . إن تمسسكم حسنة تسؤهم , وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها . وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا . إن الله بما يعملون محيط*.

ومن هذه الحملة الطويلة التي اقتطفنا منها هذه الآيات , وتنوع توجيهاتها وتلقيناتها تتبين عدة أمور:

أولها:ضخامة الجهد الذي كان يبذله أهل الكتاب في المدينة وغيرها , وعمق الكيد وتنوع أساليبه , واستخدام جميع الوسائل لزعزعة العقيدة وخلخلة الصف المسلم من ورائها .

وثانيها:ضخامة الآثار التي كان هذا الجهد يتركها في النفوس وفي حياة الجماعة المسلمة , مما اقتضى هذا البيان الطويل المفصل المنوع المقاطع والأساليب .

وثالثها:هو ما نلمحه اليوم من وراء القرون الطويلة . من أن هؤلاء الأعداء هم الذين يلاحقون هذه الدعوةوأصحابها في الأرض كلها ; وهم الذين تواجههم هذه العقيدة وأهلها . ومن ثم اقتضت إرادة الحكيم الخبير أن يقيم هذا المشعل الهادي الضخم البعيد المطارح لتراه الأجيال المسلمة قويا واضحا عميق التركيز على كشف الأعداء التقليديين لهذه الأمة ولهذا الدين !

أما القطاع الثاني في السورة فهو خاص بغزوة أحد . وهو يشتمل كذلك على تقريرات في حقائق التصور الإسلامي والعقيدة الإيمانية . وعلى توجيهات في بناء الجماعة المسلمة على أساس تلك الحقائق . إلى جانب استعراض الأحداث والوقائع , والخواطر والمشاعر , استعراضا يتبين منه بجلاء حالة الجماعة المسلمة يومها وقطاعاتها المختلفة التي أشرنا إليها في أول هذا التمهيد .

وعلاقة هذا المقطع بالمقطع الأول في السورة ظاهرة . فهو يتولى عملية بناء التصور الإسلامي وتجليته - في مجال المعركة والحديد ساخن ! - كما يتولى عملية تثبيت هذه الجماعة على التكاليف المفروضة على أصحاب دعوة الحق في الأرض . مع تعليمهم سنة الله في النصر والهزيمة . ويربيهم بالتوجيهات القرآنية كما يربيهم بالأحداث الواقعية .

وإنه ليصعب استيفاء الحديث هنا عن طبيعة هذا المقطع ومحتوياته وقيمته في بناء العقيدة وبناء الجماعة . . ولما كان هذا المقطع يقع بجملته في الجزء الرابع [ من الظلال ] فلنرجىء الحديث عنه إلى هذا الجزء [ إن شاء الله ] . .

ونمضي إلى ختام السورة - بعد فصل غزوة أحد - فإذا هو تلخيص لموضوعاتها الأساسية , يبدأ بإشارة موحية إلى دلالة هذا الكون [ كتاب الله المنظور ] وإيحاءاته للقلوب المؤمنة . . ويأخذ في دعاء رخي ندي من هذه القلوب , على مشهد الآيات في كتاب الكون المفتوح:*إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب . الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم , ويتفكرون في خلق السماوات والأرض . ربنا ما خلقت هذا باطلا , سبحانك ! فقنا عذاب النار . ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته . وما للظالمين من أنصار . ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا . ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار . ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة . إنك لا تخلف الميعاد . . .*. . وهو يمثل نصاعة التصور ووضوحه . وخشوع القلب وتقواه .

ثم تجيء الاستجابة من الله - سبحانه - فيذكر فيها الهجرة والجهاد والإيذاء في سبيل الله:

*فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض . فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم , وأوذوا في سبيلي , وقاتلوا وقتلوا , لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله . والله عنده حسن الثواب . . .*. . وفيه إشارة وعلاقة بغزوة أحد وأحداثها وآثارها .

ثم يذكر أهل الكتاب - الذين استغرق الحديث عنهم مقطع السورة الأول - ليقول للمسلمين إن الحق الذي بأيديهم لا يجحده أهل الكتاب كلهم . فإن منهم من يؤمن به ويشهد بأحقيته: *وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم , وما أنزل إليهم , خاشعين لله , لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا . . .*.

وتختم السورة بدعوة المسلمين - بإيمانهم - إلى الصبر والمصابرة والمرابطة والتقوى:*يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون*. . وهو ختام يناسب جو السورة وموضوعاتها جميعا . .

ولا يتم التعريف المجمل بهذه السورة حتى نلم بثلاثة خطوط عريضة فيها , تتناثر نقطها في السورة كلها , وتتجمع وتتركز في مجموعها , حتى ترسم هذه الخطوط العريضة بوضوح وتوكيد . .

أول هذه الخطوط بيان معنى "الدين" ومعنى "الإسلام" . . فليس الدين - كما يحدده الله - سبحانه - ويريده ويرضاه - هو كل اعتقاد في الله . . إنما هي صورة واحدة من صور الاعتقاد فيه - سبحانه - صورة التوحيد المطلق الناصع القاطع:توحيد الألوهية التي يتوجه إليها البشر كما تتوجه إليها سائر الخلائق في الكون بالعبودية . وتوحيد القوامة على البشر وعلى الكون كله . فلا يقوم شيء إلا بالله تعالى , ولا يقوم على الخلائق إلا الله تعالى . ومن ثم يكون الدين الذي يقبله الله من عباده هو "الإسلام" وهو في هذه الحالة:الاستسلام المطلق للقوامة الإلهية , والتلقي من هذا المصدر وحده في كل شأن من شؤون الحياة , والتحاكم إلى كتاب الله المنزل من هذا المصدر , واتباع الرسل الذين نزل عليهم الكتاب . وهو في صميمه كتاب واحد , وهو في صميمه دين واحد . . الإسلام . . بهذا المعنى الواقعي في ضمائر الناس وواقعهم العملي على السواء . والذي يلتقي عليه كل المؤمنين أتباع الرسل . . كل في زمانه . . متى كان معنى إسلامه هو الاعتقاد بوحدة الألوهية والقوامة ; والطاعة والاتباع في منهج الحياة كله بلا استثناء .

ويتكىء سياق السورة على هذا الخط ويوضحه في أكثر من ثلاثين موضعا من السورة بشكل ظاهر ملحوظ . . نضرب له بعض الأمثلة في هذا التعريف المجمل:

*الله لا إله إلا هو الحي القيوم*. . *شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم*. . *إن الدين عند الله الإسلام*. . *فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن . وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين:أأسلمتم ? فإن أسلموا فقد اهتدوا . .*. .*ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم , ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون*. . *قل:إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله . . .*. .*قل:أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين*. . *قال الحواريون:نحن أنصار الله , آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون . ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين*. .*قل:يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله . فإن تولوا فقولوا:اشهدوا بأنا مسلمون*. .*ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين*. . *أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السموات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون ?*. . *ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه*. . وغيرها كثير . .

فأما الخط الثاني الذي يركز عليه سياق السورة فهو تصوير حال المسلمين مع ربهم واستسلامهم له , وتلقيهم لكل ما يأتيهم منه بالقبول والطاعة والاتباع الدقيق . . ونضرب له كذلك بعض الأمثلة في هذا التعريف بالسورة حتى نواجهه مفصلا عند استعراض النصوص بالتفصيل:

*والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا - وما يذكر إلا أولوا الألباب - * *ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب . ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد*. .*الذين يقولون:ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار . الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار*. . *قال الحواريون:نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون . ربناآمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين*. . *كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله*. . *من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون , يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين*. *وكأي من نبي قاتل معه ربيون كثير , فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين , وما كان قولهم إلا أن قالوا:ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين*. .*الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح . للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم . الذين قال لهم الناس:إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم , فزادهم إيمانا , وقالوا:حسبنا الله ونعم الوكيل*. .*الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم , ويتفكرون في خلق السماوات والأرض . ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك ! فقنا عذاب النار . ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته , وما للظالمين من أنصار . ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا . ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار . ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك , ولا تخزنا يوم القيامة . إنك لا تخلف الميعاد*. . *وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم , وما أنزل إليهم خاشعين لله , لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا*. . وغيرها كثير . .

والخط الثالث العريض في سياق السورة هو التحذير من ولاية غير المؤمنين , والتهوين من شأن الكافرين مع هذا التحذير , وتقرير أنه لا إيمان ولا صلة بالله مع تولي الكفار الذين لا يحتكمون لكتاب الله , ولا يتبعون منهجه في الحياة . . وقد أشرنا إلى هذا الخط من قبل ولكنه يحتاج إلى إبراز هنا بقدر ما هو بارز وأساسي في سياق السورة , وهذه نماذج من هذا الخط العريض:

*لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين . ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء - إلا أن تتقوا منهم تقاة - ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير . قل . إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ويعلم ما في السماوات وما في الأرض . والله على كل شيء قدير*. .*ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم وما يضلون إلا أنفسهم وما يشعرون*. .

*يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين . وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله . ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم . يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا . . .*إلخ . . *لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون . ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا . . .*إلخ . . *يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا . ودوا ما عنتم , قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر . . .*إلخ . .*يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين . بل الله مولاكم وهو خير الناصرين . سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا , ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين*. .*لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد , متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد*. . وغيرها كثير . .

وهذه الخطوط الثلاثة العريضة متناسقة فيما بينها متكاملة , في تقرير التصور الإسلامي , وتوضيح حقيقة التوحيد ومقتضاه في حياة البشر وفي شعورهم بالله , وأثر ذلك في موقفهم من أعداء الله الذي لا موقف لهم سواه .

والنصوص في مواضعها من السياق أكثر حيوية وأعمق إيحاء . . لقد نزلت في معمعان المعركة . معركة العقيدة , ومعركة الميدان . المعركة في داخل النفوس , والمعركة في واقع الحياة . . ومن ثم تضمنت ذلك الرصيد الحي العجيب , من الحركة والتأثير والإيحاء . .

فلنمض إذن لنواجه نصوص السورة في سياقها الحي القوي الأخاذ الجميل . .

 




المصدر : القراّن الكريم وعلوم التفسير - من الاستاذ سات
التوقيع

اذا دخلتم الجنه ولم تجدوني معكم اسألوا عني واشفعوا لي عند الرحمن لأكون بصحبتكم وأخبروه بأني نفعتكم ولو بكلمة ( وأسأل الله أن أكون فعلاً قدمت شيء يفيد غيري ويكون خالص له وحده ليس لأحدٍ غيره منه شيء )أرجو من الله أن لا تنســـوني..

رد مع اقتباس