عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 27-03-2009, 12:38 PM
السليماني ليبيا السليماني ليبيا غير متواجد حالياً
استاذ جديد
 




معدل تقييم المستوى: 30 السليماني ليبيا will become famous soon enough السليماني ليبيا will become famous soon enough
Post الصبر (2) : تعريفه ومعانيه

 

بتاريخ 27/ 3/ 2009 - الصبر (2) : تعريفه ومعانيه .

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، و ما كنا لنهتدي لولا أن هدانا ، و ما توفيقي ، ولا اعتصامي ، ولا توكُّلي إلا على الله ، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقرارا بربوبيته ، وإرغاما لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمدا صلَّى الله عليه وسلم رسولُ الله سِّيدُ الخلق والبشر ، ما اتَّصلت عينٌ بنظر ، أو سمعت أذنٌ بخبر ،اللهم صلِّ وسلِّم ، وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذرِّيته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علِّمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علّمتنا، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقا ، وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلا ، وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
أيها الإخوة المؤمنون ، نتابع موضوع الصبر، وننتقل إلى ماورد عن النبي عليه الصلاة والسلام ، حينما سئل عن الإيمان فقال عليه الصلاة و السلام : الإيمان هو الصبر ، معنى ذلك أن النبي صلى الله عليه و سلم لخَّص الإيمان كله بالصبر ، وإذا سالت المؤمن عن الصبر فقد ينصرف ذهنُه إلى حالة من الرضا ترافق نزول المصيبة ، إنه فرع صغير من فروع الصبر ، إن للصبر أيها الإخوة معاني جليلة وحكما عظيمة ، و النبي عليه الصلاة و السلام حينما لخَّص به الإيمان كله فمعنى ذلك أن الصبر شيء خطير ، و أنه قد يلي في الأهمية موضوع العبادة .
يا أيها الإخوة المؤمنون ؛ في أبسط تعريفات الصبر ، إنه حبس النفس على ما تكره ، وهذا هو المعنى الشائع عند الناس ، و لكن الصبر بمعناه الواسع حبس النفس عما تحب ، حبسها على ما تكره ، وحبسها عمل تحب ، فتحمُّل البلاء أيها الإخوة نوع من أنواع الصبر ، لقول الله عز وجل :

[سورة البقرة]
هذا فرع من فروع الصبر ، و لكن النوع الآخر و الأخطر هو الصبر عن مشتهيات النفس ، إن الإنسان إذا توافر المالُ بين يديه فهو إلى الصبر أحوج ، إن الإنسان إذا أصبح قويا فهو إلى الصبر أحوج ، إن الإنسان إذا كان ذا وجاهة بين الناس فهو إلى الصبر أحوج ، لماذا ؟ إذا كان الإنسان ذا مال وفير هل يستطيع أن ينفق هذا المال في الوجوه التي أرادها الله عزوجل ؟ هل يضبط نفسه فلا يجعلها تسترسل مع المتع و الشهوات ، هل يضبط نفسه فلا يجعلها تستعلي على المخلوقات ؟ هل يضبط نفسه فلا يجعلها تتيه حول من حوله ؟
يا أيها الإخوة المؤمنون ، الصبر مع الحرمان أهون و أسهل و أيسر ، و لكن أن تصبر و المال بين يديك ، تستطيع أن تفعل به ما تشاء ، و لكن أن تصبر و أنت القوي ، تستطيع أن تنزل العقاب بمن تشاء ، أما أن توظِّف هذه القوة لتكون في خدمة الحق ، فهذا من أجلِّ أنواع الصبر .
يا أيها الإخوة المؤمنون ، ما الدليل على ذلك ؛ يقول الله عزوجل :

[سورة الأنبياء]
الإنسان يُبتلــى بالخير ، كما يُبتلى بالشر ، يبتلى بالسراء كما يبتلى بالضراء ، يبتلى بالغنى كما يبتلى بالفقر ، يبتلى بالقوة كما يبتلى بالضعف يبتلى بالذكاء ، و يبتلى بشيء آخر ، وهو نقيض الذكاء ، هل وظَّف هذا الذكاء لنشر الحق ، أم وظَّفه لنشر الباطل ؟ هل وظف هذه القوة لتكون في خدمة الحق أم لتكون في خدمة الباطل ، و ربنا سبحانه و تعالى في آية أخرى من كتاب الله يقول :

[سورة الفجر]
ابتلاه ، حينما أعطاه فقد ابتلاه ، حينما كرَّمه فقد ابتلاه ، حينما نعَّمه فقد ابتلاه ، يقول هو : رب أكرمن ، هذه مقولته هو ، قال تعالى :


[سورة الفجر]
أداة ردع و زجر ، ليس عطائي يا عبادي إكراما إنما هو ابتلاء ، و ليس حرماني هوانا ، إنما هو دواء ، المال يصبح نعمة إذا نجحت في كسبه و إنفاقه ، يصبح نعمة ، قبل أن تأخذ به قواعد الشرع ليس نعمة ، إنما هو ابتلاء ، من هنا قال الإمام علي كرم الله وجهه : الغنى و الفقر بعد العرض على الله ، قال تعالى :

[سورة الفجر]
أكرمه بالمال ، يقول عليه الصلاة و السلام : يُحشر الأغنياء أربع فرق يوم القيامة ؛ فريق جمع المال من حرام و أنفقه في حرام، فيقال : خذوه إلى النار - حسابه سريع - و فريق جمع المال من حلال و أنفقه في الحرام ، يقال : خذوه إلى النار ، و فريق جمع المال من حرام و أنفقه في حلال ، فيقال : خذوه إلى النار ... ، أما هذا الذي جمع المال من حلال ، وأنفقه في حلال ، هذا يقال له : قفوه فاسألوه ، هل تاه بماله على خلق الله ، هل أنساه مالُه فرائض الدين ، هل قال : من حوله يا ربي لقد أغنيته بين أظهرنا فقصَر في حقنا .
يا أيها الإخوة المؤمنون ، يقول الله سبحانه و تعالى في سورة آل عمران ، قال تعالى :

[سورة آل عمران]
هذه الشهوات أودعها ربُّ الأرض و السماوات ، لنرقى بها إليه ، هل نستخدمها سلَّما لنرقى بها إليه ، أم نستخدمها دركات نهوي بها إلى النار ، هنا المشكلة ، كل شيء أودعه الله فيك إما أن ترقى به وإما أن تهوي به ، إما أن تستخدمه وفق ما أراده الله سبحانه و تعالى ، وإما أن تستخدمه على خلاف ما أراده الله سبحانه و تعالى ، أيُّ شيء خلقه الله في الدنيا إنما هو مادة للابتلاء ، ترقى به أو تهوي به ، تصعد به إلى أعلى عليِّين ، أو تهوي به إلى أسفل سافلين ، لذلك حينما تكون محروما فالصبر أهون ، لأن القدرة معدومة ، فأنت إلى الصبر أقرب ، و لكن حينما تكون مكرَّما ، وحينما تكون ميسورا ، وحينما تكون قويا ، وحينما تكون صحيحا ، و حينما تكون وجيها، وحينما تكون في المكان الذي كرَّمك الله به ، هل تنسى ذكر الله ، هل تنسى كيف كنت قبل هذا ، هل تنسى فضل الله عليك ، هل تنسى إنعامه عليك ، لذلك يقول بعض العلماء : البلاء يصبر عليه المؤمن ، و العافية لا يصبر عليها إلا المؤمن الصادق، أن تنضبط وأنت صحيح شحيح ، أن تنفق المال و أنت صحيح شحيح ، تأمل الغنى و تخشى الفقر ، أن تنضبط و بإمكانك أن توقع بخصمك أشد أنواع العقوبات ، تنضبط ، أحد الرجال سأل سيدنا عمر بن الخطاب و كان أمير المؤمنين ، قال : يا أمير المؤمنين أتحبُّني ؟ قال : لا والله لا أحبك ، قال : أو يمنعك بغضُك لي أن تعطيني حقي ؟ قال : لا والله ، فقال عندئذ : إنما يأسف على الحب النساء .
يا أيها الإخوة المؤمنون ، الإمام الغزالي في إحياء علوم الدين يقول : : الصبر على السراء أشدُّ ، لأنه مقرون بالقدرة ، ومن العصمة ألاّ تقدر" ، و لكن الصبر على السراء أشد على النفس ، لأنه مقرون بالقدرة ، فالجائع عند غيبة الطعام أقدر على الصبر منه إذا حضرته الأطعمة اللذيذة الطيِّبة ، فلهذا عظُمت عند الله محنةُ السراء ، الله سبحانه و تعالى يقول في صريح القرآن :

[سورة التغابن]
أنت بالمال تُفتتن ، قد تكون فيوضع مقبول قبل المال ، و لكن بعد المال تتفتَّح أمامك أبواب الملذَّات ، أبواب المباهج ، أبواب التنعُّم ، ماذا تعمل ؟ الله سبحانه و تعالى أعطاك المال لينظر كيف تعمل ، كيف تقف ، من تعطي ، من تمنع ، من تصل من تقطع ، ماذا يكون موقفك ، هل أنت مع الناس ، أم أنت فوقهم .
فيا أيها الإخوة الأكارم ، يقول الله سبحانه وتعالى :

[سورة التغابن]
و في آية ثانية ، يقول الله سبحانه وتعالى :


[سورة المنافقون]
أحد أصحاب رسول الله الذين آتاهم الله المال بلغه أنه قد قيل : إن فلانا سيدخل الجنة حبوا ، ولن يدخلها هرولةً ، فقال هذا الصحابي الجليل : واللهِ لأدخلنها خببا ، أي عدوا ، وماذا أفعل إذا كنت أنفق مائة في الصباح فيؤتيني الله ألفا في المساء .
يا أيها الإخوة الأكارم ، قال تعالى :

[سورة المنافقون]
العلماء قالوا : من معاني عدم الصبر عند العافية ، أن تركن إلى الدنيا ، أن تطمئن إليها ، أن تجعلها مصدر و مبلغ علمك ، أن تجعلها غاية أملك ، أن تجعلها مقرًّا و ليست ممرًّا ، أن تعقد عليها الآمال أن تظن أن المال شيء ثمين ، لكن الإنسان يكتشف بعد فوات الأوان أن المال شيء ، و لكنه ليس كل شيء ، المؤمن الصادق يعلم أن هذا الذي بين يديه عارية مستردَّة ، إن لله ما أعطى و له ما أخذ ، و اللهُ سبحانه و تعالى قد يستردّ هذه العارية في أيِّ وقت ، لذلك قيل : إذا أردت أن تكون أقوى الناس فتوكَّل على الله ، لا على مالك ، و إذا أردت أن تكون أغنى الناس ، فكن بما في يدي الله أوثقُ منك بما في يديك ، و إذا أردت أن تكون أكرم الناس فاتقِّ الله ، معنى عدم الصبر على العافية أن تركن إلى الدنيا ، أن تطمئن إليها ، أن تجعلها غايةَ حياتك ، منتهى أملك ، أن تقيِّم الناسَ في ضوء قيمها ، مع أن الله سبحانه و تعالى لم يرض ، ولم يقبل أن يعتمد على القيم التي يتفاضل الناسُ بها في الدنيا ، إلا قيمة العلم ، فقال تعالى :

[سورة الزمر]
نوع آخر من الصبر ، ونحن في أشدِّ الحاجة إليه ، أيها الإخوة المؤمنون ، من أنواع الصبر ألا تتطلَّع إلى ما عند الناس ، ألاّ توازن بينك و بين الآخرين ، ممن ارتقوا في سلم الدنيا ، الله سبحانه و تعالى يجيبك عن هذا السؤال ، هؤلاء الذين ارتقوا في سلم الدنيا ولكنهم ليسوا مؤمنين ، وليسوا مستقيمين وليسوا منضبطين ، لقد أداروا للدين ظهورهم و جعلوا القرآن وراءهم، هؤلاء ولو رأيتهم في أبهَى حلَّة ، وفي أجمل زينة لو رأيتهم فأعجبتك أجسامهم ، أو أعجبتك بيوتهم لا تركن إليهم ، يقول الله سبحانه وتعالى :

[سورة المؤمنون]
هذا ليس إكراما ، إنما هو ابتلاء ، قال تعالى :

[سورة طه]
و قال تعالى :

[سورة القصص]
و قال تعالى :

[سورة القصص]
هذه كلها آيات كريمة ، يجب أن تحملك على الصبر عن أن تشتهي ما عند الآخرين ، آية ثالثة ، قال تعالى :

[سورة آل عمران]
آية رابعة ، هؤلاء الذين حول قارون قالوا :

[سورة القصص]
هذه كلها آيات كريمة تؤكِّد أن المؤمن إذا عرف اللهَ عزوجل ، واستقام على أمره ، وعرف هدفه ، وعرف وسيلته ، فهذا هو الغنى الحقيقي ، من أوتي القرآن وظن أن أحدا أوتي خيرا منه فقد حقَّر ما عظَّمه اللهُ تعالى ، من تلا قوله تعالى :

[سورة الأحزاب]
ورأى أن أحدا من أهل الدنيا قد أعطاه الله ، وقد حُرِم ، فهو ليس في مستوى هذه الآية .
يا أيها الإخوة المؤمنون ، صبرٌ آخر وهو الصبر عند داعي الشهوة الله سبحانه و تعالى أودع في الإنسان بعض الشهوات ليرقى بها إلى رب الأرض و السماوات ، و أيَّة شهوة أودعها اللهُ في الإنسان جعل لها قناةً تُفرَّغ فيها ، لكنها قناة نظيفة ، فإذا أفرغ هذه الشهوة في قناة قذرة أو قناة ملتوية أو قناة غير مشروعة هلك بها ، فإذا جاءته دواعي الشهوة فلينظر أيَّ الطريق السليم التي رسمها الله فليسِر بها ، من هنا قال الله سبحانه وتعالى :

[سورة النور]
شيء آخر ، نوع آخر من أنواع الصبر ، أن تصبر عند وجود دواعي الغضب ، النبيُّ عليه الصلاة و السلام قال ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْصِنِي قَالَ :
لَا تَغْضَبْ فَرَدَّدَ مِرَارًا قَالَ لَا تَغْضَبْ .
[رواه البخاري]
و قال تعالى :

[سورة آل عمران]
رجل شتم أحد أصحاب رسول الله ، فما كان من هذا الصحابي الجليل إلا أن قال كلمتين : إن كنت صادقا فيما تقول فغفر اللهُ لي ، وإن كنت غير صادق فغفر اللهُ لك ، هذا الغضب الذي يأخذ بالإنسان مأخذا يدنيه من الحيوان ليس من أخلاق المؤمن ، المؤمن موحِّد ، ومعنى موحِّد أنه موحِّد إنه يؤمن أنه لا يقع شيء في الكون إلا بمشيئة الله ، فما شاء الله كان ، و ما لم يشأ لم يكن ، ما أراد اللهُ وقع ، و ما لم يرِد لم يقع ، و الذي وقع أراده الله ، وإرادة الله عزوجل ، وإرادة الله عزوجل متعلّقة بالحكمة ، حكمته متعلقة بالخير المطلق ، قال تعالى :

[سورة آل عمران]
في الإعزاز و الإذلال ، في الإعطاء و المنع ، في الرفع و الوضع ، في القبض و البسط ، في الإكرام و الحرمان ، بيدك الخير ، هذا الإيمان يطفئ لهيبَ الغضب ، قال تعالى :

[سورة فاطر]
التوحيد ، التوحيد ، التوحيد .
يا أيها الإخوة المؤمنون ، قال تعالى :

[سورة الشعراء]
تعذِّب نفسك ، التوحيد ، قا تعالى :

[سورة هود]
ما كان لك بلن يكون لغيرك، و ما كان لغيرك لن يكون لك ، ليسترِح قلبُك ، التوحيد ينفي الغضب، وينفي الحسد ، و ينفي الحقد .
يا أيها الإخوة المؤمنون ، وصبرٌ آخر ، إنه صبر على طاعة لله عزوجل ، قال تعالى :

[سورة مريم]
و قال تعالى :

[سورة الكهف]
يا أيها الإخوة المؤمنون ، قال تعالى :


[سورة طه]
الصبر في العبادة له مراحل ثلاث ، مرحلة قبل العبادة ، أن تتحقَّق من الإخلاص ، لقول الله عزوجل :

[سورة الزمر]
يجب أن الإخلاصُ العبادة ، لأن الإخلاص للعبادة كالروح للجسد ، قال تعالى :

[سورة الفرقان]
قال بعض المفسرين: العمل الذي لا إخلاص فيه ، و قال بعضهم : العمل الذي لا صواب فيه، لا بد من اجتماع شرطين أساسين حتى يُقبل العمل ؛ أن يكون خالصا ، وأن يكون صوابا ، و معنى أن يكون خالصا أن يُبتغى به وجهُ الله ، و معنى أن يكون صوابا ، أن يكون وفق السنة الشريفة ، فلا بد من الإخلاص قبل العبادة ، و لا بد من الإخلاص في أثناءها ، حتى تُؤدَّى على الوجه الذي أراده الله عزوجل ، حتى تؤدى على الوجه المطلوب ، حتى تؤدى على الوجه الذي يحبه الله و رسوله ، هذا يحتاج إلى صبر ، و البد من الصبر بعد العبادة ، لئلا يتحدَّث الإنسان عن عبادته فيستعلي بها على الآخرين ، لئلا يؤذي من أعطاه بالمن ، لئلا يتحدث حديثا يفقده ثوابَ عبادته ، فلا بد من الإخلاص قبلها ، و لا بد من الصمت بعدها ، ولا بد من الإتقان في أثنائها .
أيها الإخوة المؤمنون ، و أنت أيها الأخ الكريم مأمورٌ بالصبر على الفرائض وعلى النوافل في الوقت نفسه ، استمع إلى قوله تعالى :

[سورة النحل]
العدل قسري ، قال تعالى :

[سورة النحل]
الإحسان طوعي ، لكن الله سبحانه وتعالى كما يأمرك بالعدل ، يأمرك بالإحسان ، كما يأمرك بأداء الحقوق ، يأمرك بأن تؤدِّي فوق الحقوق ، إنه الإحسان ، من هنا قال النبي عليه الصلاة و السلام : في المال حق سوى الزكاة ... ، هذا الذي أدى زكاة ماله بالتمام و الكمال إذا وجد أن أخا مؤمنا كريما في أمس الحاجة إلى المال ، ماذا يقول لربه : يا رب لقد أدَّيت زكاة مالي ، وفي المال حق سوى الزكاة ، حينما قال الله عزوجل :

[سورة المعارج]
في آية أخرى :

[سورة الذاريات]
الآية الأخرى التي خلت منها كلمة " معلوم " فسَّرها العلماءُ بأنها الصدقات.
يا أيها الإخوة المؤمنون ، آلاف القضايا تُحلُّ بين الناس لا على العدل بل على الإحسان ، لو أن هذا الأخ الذي يطالبك بهذا الشيء لا حقَّ له به ، و لكنه قد ينطوي تحت باب الإحسان ، لذلك هذه الآية التي يقرأها الخطباءُ في كل خطبة ، قال تعالى :

[سورة النحل]
من أقال نادما أقاله الله يوم القيامة ، إقالة الشاري النادم ليس من العدل ، و لكن من الإحسان ، إذا اشترى الإنسان شيئا بإيجاب وقبول ونقد الثمن ، وتسلَّم البضاعة ، فقد لزم البيع ، لكن إذا جاءك نادما ، ولا يؤثِّر عليك إرجاع هذه البضاعة ، والبضاعة لم تُستعمل بعد ، و جاءك راجيا ، الآن مطالب بالإحسان ، قال تعالى :

[سورة النحل]
أيها الإخوة المؤمنون ، و للصبر موضوعات كثيرة نعالجها إن شاء الله بعد موضوع عيد المولد النبوي إن شاء الله تعالى .
أيها الإخوة الأكارم ، حينما يفهم الإنسان فهما عميقا آيات الله عزوجل ، حينما تنقلب هذه الآيات إلى واقع ، إلى سلوك ، إلى مواقف ، عندئذ نكون قد فهمنا كتاب الله عزوجل ، لأن النبي عليه الصلاة و السلام يقول : ما آمن بالقرآن من استحل محارمه ... .
أيها الإخوة المؤمنون ، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا ، و سيتخطَّى غيرنا إلينا ، فلنتَّخذ حذرنا ، الكيَّس من دان نفسه و عمل لما بعد الموت ، و العاجز من أتبع نفسه هواها و تمنى على الله الأماني ، و الحمد لله رب العالمين .
الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله وليُّ الصالحين ، و أشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ و سلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله و صحبه أجمعين .
أيها الإخوة المؤمنون ، النبي عليه الصلاة و السلام أُثر عنه دعاء إذا دخل الخلاءَ وخرج منه ، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا خَرَجَ مِنْ الْخَلَاءِ قَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الْأَذَى وَعَافَانِي .
[رواه ابن ماجه]
هذا الطعام و الشراب فيه قوة ، وفيه لذة ، و فيه فضلات ، فجهاز تصفية البول ، الكليتان فيهما من العجائب الشيء الذي لا يُصدَّق ، إن ملخَّص القول : إن أعقد جهاز في الإنسان بعد الدماغ هما الكليتان ، بعض المعلومات الطفيفة و البسيطة التي تُعدُّ من مسلَّمات هذا العلم ، في الكليتين مليونان من وحدات التصفية ، في كل كلية مليون ، وحدة التصفية هذه أنبوب دقيق ، وعاء دقيق ، يلتف حول نفسه حتى يشكِّل كُبَّة ، كرة ، هذه الأنبوب الدقيق الذي يلتفُّ حول نفسه حتى يشكل كبكوبة ، أو كبة اسمه عند علماء التشريح ، الكبيبة ، هذه الكبيبة يحيط بها غشاء ينتهي بأنبوب ، كيف يرشح البول ، عملية في منتهى التعقيد ، كيف لا و قلت لكم قبل قليل : إن أعقد جهاز بعد الدماغ هو الكلية ، وحسبكم أن الكلية الصناعية يزيد حجمُها عن حجم مكتب كبير ، و يستغرق الإنسان وقتا لتصفية دمه ما يزيد عن ثماني ساعات، و التصفية لا تعادل تصفية الكلية الطبيعية ، هذه الكبيبة مع غشائها و أنبوبها لا تُرى بالعين ، لو أن هذه النفرونات ، وحدات التصفية صُفَّت إلى جانب بعضها بعضا لبلغ طولُها في الكليتين مائة و ستين كيلو متر في الكليتين، سطوحها الداخلية لو نُشِرت لاستغرقت ثمانية أمتار مكعبة ، لذلك الدم يجري في الكليتين بطريق طوله في اليوم الواحد ما يزيد عن مائة كيلو متر ، و لها معلومات دقيقة ، كيف يكون الضغطُ أعلى في الشريان الأكبر ، و الضغطُ أقل ، من هنا ترشح، وما علاقة الضغط بضغط الكلية ، موضوعات لا تُعالج من على المنبر ، و لكن من أجل أن يقف الإنسان وقفة خاشعة عند قوله تعالى :

[سورة الذاريات]
هاتان الكليتان لا يزيد وزنهما مجتمعتين عن مئة وأربعين غراما ، الكلية الواحدة التي تقوم بوظائف يعجز عن فهمها الدماغ ، لا يزيد وزنها عن سبعين غراما ، و لو بطَّات في عملها ، و لو توقفت عن عملها لانتهت حياة الإنسان ، لغرق في سمومه ، فالنبي عليه الصلاة و السلام حينما كان يخرج من بيت الخلاء يقول : ((الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الْأَذَى وَعَافَانِي)) .
[رواه ابن ماجه]
أمراض الكليتين لا تُعد و لا تُحصى ، أمراض الكليتين و أمراض الحالبين و أمراض المثانة كثيرة جدا ، هذا الجهاز الدقيق ، هذا الجهاز المتقن الذي ينفي عنك الأذى ألا تشكر الله عليه، كيف تكون حالة الإنسان من دون مثانة ؟ كيف تكون .
يا أيها الإخوة المؤمنون ، ما ذكرت شيئا ، ذكرت عنوانات و أرقاما سريعة من أجل أن يُلفت نظرُ الإنسان إلى ما ينطوي عليه من أجهزة دقيقة .
اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت وتولنا فيمن توليت وبارك اللهم لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي ولا يقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، و أصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زادا لنا من كل خير ، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين ، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، و بطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك ، اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا ، و آمنا في أوطاننا ، و اجعل هذا البلد آمنا سخيا رخيا ، و سائر بلاد المسلمين ، اللهم يا أكرم الأكرمين أعطنا ولا تحرمنا وأكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، وأرضنا وارض عنا صن وجوهنا باليسار و لا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شرَّ خلقك ، ونُبتلى بحمد من أعطى و ذم من منع ، و أنت من فوقهم وليُّ العطاء ، و بيدك وحدك خزائن الأرض والسماء ، اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا من دنياهم أقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين ، اللهم بفضلك و رحمتك أعلِ كلمة الحق والدين وانصر الإسلام وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنه على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير ، والحمد لله رب العالمين .

 




المصدر : المنتدى الاسلامى - من الاستاذ سات
رد مع اقتباس