عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 19-05-2014, 03:04 PM
الصورة الرمزية ahmed eassa
ahmed eassa ahmed eassa غير متواجد حالياً
مشرف القسم الاسلامى والسيرفرات المجانية
 




معدل تقييم المستوى: 56 ahmed eassa is on a distinguished road
افتراضي رد: الغيبة وأخطارها

 

أدلة تحريم الغيبة من الكتاب والسنة:
أما النصوص من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي وردت بتحريمها فهي فوق الحصر وفوق العد، فمن ذلك قول الله تبارك وتعالى: {وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ} [الحجرات من الآية:12]. وورد حديث -وإن كان في إسناده مقال- في قصة ماعز الأسلمي رضي الله تعالى عنه، ارتكب فاحشة الزنا، فأرقت عليه مضجعه، وأقلقت باله ولم يهدأ له بال، ولم يستقر له قرار، فأزعجته أيما ازعاج! وكيف لا تزعجه هذه الجريمة والنبي صلى الله عليه وسلم ذكر: «أنه رأى أقوامًا عراة رجالًا ونساءً في متن تنور، يأتيهم لهب من أسفل منهم فيحرق فروجهم فيسمع لهم ضوضاء، فسأل: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الزناة والزواني من أمتك يا محمد!».
كيف لا ينزعج؟ والله يقول: {وَلَا يَزْنُونَ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا . يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا . إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ} [الفرقان من الآيات:68-70] الآيات.
انزعج ماعز غاية الانزعاج من هذه الكبيرة التي ارتكبها، فأتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: طهرني يا رسول الله! إني زنيت، فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم وأشاح بوجهه إلى اليمين، فأتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قبل يمينه، وقال: طهرني يا رسول الله! فأشاح النبي صلى الله عليه وسلم بوجهه إلى اليسار، فتدارى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وآتاه من قبل اليسار، قال: طهرني يا رسول الله! قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «لعلك قبّلت»، قال: لا يا رسول الله! قال: «لعلك فاخذت»، قال: لا يا رسول الله! ثم قال إنه يعرف الزنا، وإنه قد زنى، فقال عليه الصلاة والسلام: «أبك جنون؟» قال: لا، يا رسول الله! ليس بي جنون، فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم فرُجِم).
إمضاء لأمر الله سبحانه، وإقامة لحد من حدود الله رجم ماعز، فقال رجل من جلساء النبي صلى الله عليه وسلم لصاحب له: عجبت من هذا الرجل الذي أتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والرسول يرده مرة بعد مرة، فلم يرض إلا أن رُجِم كما يُرَجَم الكلب، فحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم وسكت، ثم مرَ بهذين الرجلين على حمار شائل، أي: ميت قد انتفخ، وخرجت منه رائحة في غاية الخبث لا تطاق، فمرَّ النبي صلى الله عليه وسلم مع هذين الرجلين وقال لهما: «انزلا فكلا من جيفة هذا الحمار»، قالا: نأكل من هذه الجيفة يا رسول الله؟! قال: «والذي نفسي بيده! للذي نلتما من أخيكما أشد نتنًا من هذه الريح، إنه والله الآن ينغمس في أنهار الجنة».
وكان النبي صلوات الله وسلامه عليه جالسًا يومًا مع بعض أصحابه، فهاجت ريح نتنة، فقال لأصحابه: «أتدرون ما هذه الريح؟»، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «هذه ريح الذين يغتابون الناس، ويقعون في أعراضهم».
وقال صلى الله عليه وسلم في حديث آخر: «مررت ليلة عرج بي بأقوام لهم أظفار من نحاس، يخمشون بها وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟! قال: هؤلاء الذين يغتابون الناس ويقعون في أعراضهم».وقال صلوات الله وسلامه عليه كذلك: «يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان في قلبه! لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته فضحه الله ولو في قعر بيته».
وقال صلوات الله وسلامه عليه: «إن أربى الربا استطالة الرجل في عرض أخيه المسلم». وقال صلوات الله وسلامه عليه: «كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه».
هذه بعض النصوص الواردة في ذم الغيبة، وقال عليه الصلاة والسلام، في النميمة عندما مر بقبرين: «إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير» -أي: ما يعذبان في كبير في أنظاركم- ثم قال: «بلى إنه كبير، أما أحدهما فكان لا يستنزه من البول، وأما الآخر فكان يمشي بين الناس بالنميمة». وفي كتاب ربنا: {وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ . هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ} [القلم:10-11] {هَمَّازٍ} يعني: يعيب الناس. وقال تعالى: {وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ} [الهمزة:1] وهو الطعان العياب الذي يطعن في الناس ويعيب في الناس، هذه بعض النصوص ثم كم هائل منها يفيد تحريم هذا الداء المقيت.
وقد نقل فريق من أهل العلم كالحافظ ابن كثير رحمه الله، والحافظ ابن حجر رحمه الله، وكذلك ابن حزم رحمه الله، الإجماع على تحريمها. أما القرطبي رحمه الله فنقل الإجماع على أنها كبيرة، وإن كان في نقله للإجماع نظر إلا أن أكثر أهل العلم على أن الغيبة من الكبائر، ولذلك ذكرها العلماء الذين صنفوا في الكبائر، وذلك للوعيد الشديد الذي ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن المغتابين.
كفارة الغيبة:
نختم البحث في مسألة وهي مسألة التحلل من الذي اغتبناه، فهب أن شخصًا اغتاب شخصًا وعلم بعد ذلك أن الغيبة محرمة كما قد سمعتم، فهل يجب أن يتحلل المغتاب ممن اغتابه، أو يكفي أن يستغفر ويدعو الله له، ويثني بخير عليه؟
يرى الأئمة: مالك، والشافعي، وأبو حنيفة رحمهم الله وقول عن أحمد أنه يجب أن تتحلل من الذي اغتبته وهذا محله -كما حمله العلماء- إذا بلغت الغيبة هذا الشخص الذي اغتيب، وكان من أدلتهم على مسائل التحلل في الأبدان والأعراض، قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء»، وقوله صلى الله عليه وسلم: «من كانت له عند أخيه مظلمة من عرضه أو من شيء فليتحلل منه قبل ألا يكون دينار ولا درهم»، وبحديث: «إذا خلص المؤمنون من النار حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار فيتقاصون مظالم كانت بينهم في الدنيا».
فاستدلوا بهذا على أن التحلل لازم، وخاصة إذا كانت الغيبة وصلت إلى الشخص الذي اغتيب. ومن العلماء من قال: إن قياس الأعراض على الأموال والأبدان غير سائغ؛ لأن التحلل من الأموال والأبدان يرجع بفائدة على الذي ضرب، أما التحلل من الأعراض إذا ذهبت إلى شخص وقلت له: أنا اغتبتك فسامحني، فليست كل النفوس تتسع لهذا الكلام، وإنما هناك أناس صدورهم متسعة يفرحون بذلك منك، ويدعون الله لك بالتوفيق وبالمغفرة، وهناك أقوام يدخل لهم الشيطان بضعف في قلوبهم فيسألونك: أمام من اغتبتنا؟ ماذا قلت في حقنا؟ ويفتحون معك مسائل فتشوش أنت عليهم فكرهم، وتزيدهم همًا إلى الهم الذي وقع عليهم بسبب اغتيابك لهم.
ففي هذا المقام ترجع المسألة إلى مسألة المفاسد والمصالح، فحيث رجي من التحلل خير قدمت على التحلل، وحيث لا يرجى من التحلل خير اكتفيت بالثناء الحسن على من اغتبته، والاستغفار له، والتصدق من أجله إن شئت، فكل ذلك عمل صالح يكفر الله به عنك خطاياك، وقد قال الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ} [هود من الآية:114]. فجدير بمن اقترف شيئًا من ذلك منا جميعًا، وكلنا ضعفاء، وكلنا خطاءون كما قال ربنا سبحانه: {وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا} [النساء من الآية:28]، جدير بمن صدر منه شيء من ذلك أن ينظر في أمر نفسه قبل أن يقف بين يدي الله سبحانه وتعالى، وقبل أن ترد المظالم إلى أهلها، ثم عليه أن يستغفر الله استغفارًا كثيرًا؛ لأن الغيبة تترك أثرًا أيضًا على القلوب فتسودها، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أذنب العبد ذنبًا ينكت على قلبه نكتة سوداء، فإن تاب وأقلع محيت، وإن عاد نكتت نكتة أخرى سوداء حتى تغطي القلب كله» -ثم قال-: «هذا هو الران الذي ذكر الله في كتابه»، وتلا: {كَلَّا ۖ بَلْ ۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [المطففين:14].
فأكثروا من الاستغفار فالله غفَّار للذنب والزلات، وصلى الله على نبينا محمد وسلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
متى تباح الغيبة:
والغيبة كما سلف محرمة أيما تحريم، ولكن كما هو معتاد في أمور المحرمات فإن الله سبحانه وتعالى جعل حالات يكون فيها المسلم مضطرًا ويصيبه الحرج إن لم يغتب، فدفعًا لهذا الحرج عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم جاءت الرخصة بهذا الأمر، فكما أن لحم الميتة محرم وأكل الخنزير محرم لكن كما قال تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة من الآية:173] فالمضطر ضرورته تقدر بقدرها، قال تعالى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [الأنعام من الآية:119]. وهناك أحوال تلجئني إلى أن أذكر شيئًا في أخي يكرهه، فحينئذٍ إذا جاءت تلك الضرورة فإنها تكون بقدرٍ كما هو الحال مع أكل الميتة، وكما هو الحال مع التلفظ بكلمة الكفر.
فالأصل في الاغتياب أنه محرم إذ أعراض المسلمين محرمة كما سلف، وعندها يرد السؤال: ما هي الأمور التي تباح فيها الغيبة؟
- أول هذه الأمور: التظلم، وهي ذكر مظلمة ظلمني بها هذا الشخص، وقد قال تعالى: {لَّا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ} [النساء من الآية:148] ففي هذه الآية جاءت أقوال العلماء، أحدها: إن من ظلم جاز له أن يجهر بالسوء من القول في حق من ظلمه، وثم قول آخر: إن من ظلم جائز له أن يدعو على من ظلمه، والقول الأول هو اختيار ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى، أي: إنه يجوز لمن ظلم أن يتكلم في عرض ظالمه.
ومن هذا الباب يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «مطل الغني ظلم» والمطل من المماطلة، والمراد بالغني الغني الذي عليه دين وحل موعد السداد فيماطل، فمماطلته ظلم وفي حديث أبي داود بسند حسن: «لي الواجد ظلم» واللي هو المماطلة، والواجد أي الغني قال: «لي الواجد يحل عرضه وعقوبته»، أي: يحل لنا أن نتكلم في عرضه وأن نعاقبه، أما العقوبة فبالحد، فهذا الدليل الثاني على جواز الاغتياب لرد المظلمة.
ولكن لهذا ضوابط: أولًا: يقول ربنا: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} [الشورى من الآية:40] فمثلًا شخص أكل مالك، أو تأخر في سداد التزام لك عليه، فعرضه حلال ولك أن تقول: هو أكل مالي، لكن ليس لك أن تقول: هو يسرق، هو يزني، ابنته صفتها كذا، أخته صفتها كذا، أمه صفتها كذا؛ لأن الله يقول: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} [الشورى من الآية:40] ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «المتسابان ما قالا فعلى البادي منهما ما لم يعتدِ المظلوم» (المتسابان ما قالا) هذا سب، وهذا رد عليه السباب، إثم ذلك كله على البادي منهما ما لم يعتد المظلوم، فإذا اعتدى المظلوم تحول الحق عليه بعد أن كان له.
فمثلًا: رجل أكل مالك فهو آثم بأكل مالك، فإذا ذهبت أنت تقول للناس: يا ناس! فلان أكل مالي، فلك ذلك، مع أن العفو أفضل؛ لأن الله قال: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ۖ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [الشورى من الآية:40]، وقال: {ذَٰلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ} [الحج من الآية:60] ثم أرشد إلى العفو بقوله: {إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} [الحج من الآية:60] لكن على كلٍ يجوز لك أن تنتصر بقدر المظلمة، فإذا صدر منك هذا واستطلت في عرضه قائلًا: هو يمشي مع النساء... زوجته تمشي مع الرجال... ابنته صفتها كذا وكذا، حينئذٍ سيأخذ هو من حسناتك وقد تفوق هذه الحسنات الدين الذي لك عنده، ويضيع حقك تمامًا أمام الله سبحانه وتعالى بسبك وطعنك فيه، فإنك حينئذٍ قد تكون قاذفًا إذا أنت قلت فيه ما يدل على القذف.
ومن الأدلة على جواز غيبة الظالم بذكر مظلمته، ما أخرجه البخاري في الأدب المفرد وأبو داود بسند حسن، أن رجلًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان له جار يؤذيه، فذهب وشكاه إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام مرة بعد مرة والرجل لا ينتهي عن الظلم والأذى، فأمره النبي عليه الصلاة والسلام أن يخرج متاعه إلى الطريق، فأخرج متاعه إلى الطريق، فمر به الناس وقالوا: ما هذا المتاع؟ قال: جاري يؤذيني، فكل من يمر يسب في هذا الجار، فلما بلغ الجار هذا الصنيع وهذا السباب ذهب إلى المظلوم وقال له: ارجع إلى بيتك فلن ينالك مني أذى بعد اليوم، فهذا من باب التظلم.
- كذلك تجوز الغيبة في الاستفتاء، فقد جاء أن هند بنت عتبة شكت أبا سفيان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت: يا رسول الله! إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني وولدي، فهل عليّ جناح أن آخذ من ماله بغير إذنه -وهو لا يعلم- قال: «خذي ما يكفيك وولدكِ بالمعروف»، فوصفته بالشح وهو يكره ذلك، لكن كان المقام مقام فتيا فحينئذٍ لم يعنفها الرسول عليه الصلاة والسلام، فهذا وجه ويكون بقدر كما سبق.
وإن كان من أهل العلم من يقول: هذا جائز بلا شك لتجويز الرسول صلى الله عليه وسلم، لكن الأولى أن تعرّض، تقول المرأة: ما رأيك في رجل شحيح لا يعطي زوجته ما يكفيها وولدها ولا تسمي، حتى تبتعد عن الغيبة، فالأفضل ألا تسمي ولا تذكر أحدًا باسمه، مادام الغرض سيتحقق والفتيا ستنال.
ومن هذا الباب -باب الاستفتاء- كذلك مجيء امرأة رفاعة القرضي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقولها: يا رسول الله! إن رفاعة طلقني فبت طلاقي، فتزوجت بعده بعبد الرحمن بن الزبير وإنه والله يا رسول الله! ما معه إلا مثل هدبة الثوب، وأشارت إلى طرف ثوبها -ولا شك أن زوجها يكره ذلك- قال عليه الصلاة والسلام: «لعلكِ تريدين أن ترجعي إلى رفاعة ؟ لا، حتى يذيق عسيلتكِ وتذوقي عسيلته».
ومما تجوز فيه الغيبة أيضًا عند الاستشارة كما جاءت فاطمة بنت قيس إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، قائلة: يا رسول الله! إن معاوية وأبا جهم فقال عليه الصلاة والسلام: «أما معاوية فصعلوك لا مال له، وأما أبو جهم فلا يضع العصا عن عاتقه لكن أسامة» أي: أشير عليك بأسامة بن زيد.
- كذلك باب التعريف والبيان والتحذير، إذا كان رجلًا مشهورًا بالشر والفساد، مشهورًا بالاتجار بالمخدرات أو بالخيانة في النساء، أو بسرقة الأموال والسلب والنهب، جائز لك أن تحذر الناس منه، بل لزامًا عليك آنذاك أن تحذر الناس منه.
أقبل رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بجوار عائشة رضي الله عنها، فقال لها: بئس أخو العشيرة! فلما أقبل عليه ألان له النبي القول، قالت: قلت فيه ما قلت يا رسول الله! ثم ألنت له القول، قال: «يا عائشة! إن شر الناس منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء فحشه»، فهذا في باب المداراة.
وقال عليه الصلاة والسلام كذلك: «ما أظن فلانًا وفلانًا يعلمان من ديننا شيئًا»، أو إذا كانت هناك مصلحة تعود على المسلمين بالنفع العام، كما فعل زيد بن أرقم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما قال عبد الله بن أبي ابن سلول: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فذهب زيد بن أرقم وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام بهذا الخبر الذي كان.
- ومن ذلك الجرح والتعديل لمن يتكلمون بأحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام، فرُب رجل يكذب على رسول الله وهو لا يشعر، ونُصِحَ فلم ينتصح، فجدير بك أن تبين أمره، وهذا المسلك سلكه علماء الجرح والتعديل الأوائل كالإمام أحمد ويحيى بن معين والبخاري وغير هؤلاء الأفاضل. أما الشيعة فقلّ فقههم في هذا الباب وطفق قائلهم يطعن في ابن معين؛ لأنه طعن في رجال كثيرين من رجال الشيعة: ولابن معين في الرجال مقالة سيسأل عنها والرقيب شهيد فإن يك حقًا فهي غيبة وإن يكن زورًا فالوعيد شديد وهذا من جهل هذا القائل فإن ابن معين كان ينافح عن سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، ويبين حال الكذابين الذين افتروا الكذب على النبي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
فهذه مواطن تشرع فيها الغيبة بالضوابط الشرعية التي سمعتموها، وقد صاغها بعض العلماء في أبيات شعر، وزاد بعضهم في هذه الأقسام التي ذكرت، وقلل بعضهم فيها، وأدمج بعضهم بعضها في بعض، والأمر في هذا كله قريب. ثم في ختام هذا الدرس هناك أمور ينبغي أن تفعلها أنت حتى لا توقع الناس في اغتيابك، منها المداراة كما بين النبي عليه الصلاة والسلام، فمداراة الناس مطلوبة، وكذلك إكرام الناس مطلوب، وكذلك اتقاء مواطن الشبهات، فلا تقف في موقف شبهة ومن ثمّ يطعن فيك الناس وأنت لا تشعر.
أمور تقيك من الغيبة:
مِنْ الذي يجنبك الغيبة الذميمة والمقيتة والبغيضة:
- إكثارك من ذكر الله، فهي وصية جامعة أرسلها سلمان الفارسي إلى أبي الدرداء للأخوة التي كان النبي عليه الصلاة والسلام آخى بينهما بسببها، قال سلمان لأبي الدرداء بعد أن حمد الله وأثنى عليه بما هو له أهل: "أما بعد، فإني أوصيك بالإكثار من ذكر الله فإنه دواء، وبالإقلال من ذكر الناس فإنه داء، والسلام عليكم ورحمة الله...". كانت هذه رسالة موجزة وبليغة من سلمان، فقللها بعد ذلك ابن عون فقال: "ذكر الله دواء وذكر الناس داء"، وهذا يصدقه قول ربنا سبحانه: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ} [الرعد:28].
لن تندم أبدًا يومًا من حياتك لكونك قلت: سبحان الله، لن تندم أبدًا يومًا من حياتك لكونك قلت: الحمد لله، ولكن قد تندم أيما ندم إذا ذكرت فلانًا من الناس بشر، لكن لن تندم لا في دنيا ولا في آخرة على كونك ذكرت سبحانه وتعالى. فعليك بالإكثار من ذكر الله فهو يشغلك عن ذكر الناس فضلًا عن ترطيب اللسان، فضلًا عن قمع الشيطان، فضلًا عن إرضاء الرحمن والارتفاع في الدرجات العلى، والترقي في النعيم المقيم.
فهذا من أنجع الأسباب للوقاية من الغيبة، فينبغي أن تتقي مجالس السيئين الشريرين الذين هم كما وصفهم نبينا محمد عليه الصلاة والسلام كأنهم نافخو كير، بل والله هم أشد من نافخ الكير، قال عليه الصلاة والسلام: «ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحًا خبيثة»، هذا الصاحب السيئ ما إن تغادر مجلسه حتى يغتابك أنت ويصورك بتصويرات مشينة مهينة أمام زملائك الذين كنت معهم.
فعليك بمجالسة أهل الفضل وأهل الصلاح؛ لأنهم في غيابك يدعون الله لك بالتوفيق. هذه بعض البواعث التي قد تبعث على الغيبة.
- ومن البواعث التي قد تبعث على الغيبة دفع الشائعات، فمثلًا: يبلغ عن شخص أنه قال في عرضك كذا وكذا، تقول: لا ما حصل مني كذا، بل هو الذي صدر منه كذا وكذا وكذا، وتقع في اغتيابه نتيجة شائعة جاءت إليك من مغرض من المغرضين. فيجب أن تنتبه لمثل هذه الشائعات وأن تتقي هذه الأدواء، وأن تسأل الله سبحانه وتعالى أن يهديك لأفضل الأخلاق والأعمال، وتستعيذ بالله من منكرات الأخلاق والأهواء والأدواء.
بواعث الغيبة:
هناك بواعث تبعث على الاغتياب جدير بنا أن نتقيها حتى لا نقع في هذه الغيبة المذمومة المحرمة، ومن هذه البواعث:
- قلة العلم بالله وبحدود الله؛ لذلك نجد الذين لا يعرفون حدود الله، ولا يوقرون أمره، ولا يعرفون حقوق أهل الإسلام هم الذين يغتابون، هم الذين، وهم الذين.... فلذلك العلم بحدود الله من أفضل الوسائل لكف الشخص عن الاغتياب.
- كذلك: قلة الورع، فمن قل ورعه طعن في الأعراض، أما من زاد ورعه فكما قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها في شأن زينب بنت جحش رضي الله عنها، قالت في شأن زينب مع حديث الإفك: "لما استشارها رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلًا: «يا زينب! ما تقولين في عائشة؟»، قالت: أحمي سمعي وبصري يا رسول الله! أهلك وما علمت عليها إلا خيرًا، قالت عائشة: فعصمها الله بالورع". فالورع يعصم الشخص من الوقوع في الأعراض، أما قليل الورع -عياذًا بالله- فيخوض يمنة ويسرة في أعراض المسلمين والمسلمات.
- ثم كذلك الدافع إلى هذا الداء البغيض: الحسد الذي يجب أن نتخلص منه، فالحسد يحمل على الغيبة، ويحمل على النميمة، كما قال الشاعر:
حَسَدوا الفَتى إِذ لَم يَنالوا سَعيهُ *** فَالقَومُ أَعداءٌ لَهُ وَخُصومُ
كَضَرائِرِ الحَسناءِ قُلنَ لِوَجهِها *** حَسداً وَبَغياً إِنَّهُ لَدَميمُ
فالحسد يجعلك دائمًا تنتقد الناس، وتنتقص الناس، فجدير بك أن تسأل ربك سبحانه وتعالى أن يخلصك من هذا الداء.
- كذلك من البواعث على الغيبة المذمومة المقيتة هو: ترك الانشغال بعيوب النفس والنظر في عيوب الناس، كما قال رسولنا محمد عليه الصلاة والسلام: «يبصر أحدكم القذاة في عين أخيه وينسى الجذع في عينه»، «يبصر أحدكم القذاة -الشيء اليسير- في عين أخيه وينسى الجذع في عينه». فإذا انشغلت بنفسك وجدت فيها متسعًا للخوض فيها ومعها لإصلاحها، وابتعدت عن عيوب الناس، إذا انشغلت بنفسك لإصلاحها وجدت متسعًا للبعد عن الغيبة وللبعد عن النميمة.
وقد سئل الإمام أحمد رحمه الله تعالى عن الذي دار بين علي ومعاوية رضي الله تعالى عنهما، فأجاب بآية كريمة لعلنا نتعلم منها قال: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [البقرة:134]. لن يسألك ربك سبحانه فيقول لك: من الذي كان على الصواب يا عبدي! علي أو معاوية؟ لن يسألك ربك عن هذا، إنما يسألك الله سبحانه كما قال: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ} [القصص:65] هذا الذي سيسألك ربك سبحانه وتعالى عنه.
فلا تكن إذًا من الذين عميت عليهم الأنباء يومئذٍ فهم لا يتساءلون، سيسألك ربك عن نبيك محمد ماذا أجبته؟ كما قال عليه الصلاة والسلام: «إنكم مسئولون عني، فماذا أنتم قائلون؟». فأنت مسئول بالدرجة الأولى عن نبيك وعمّا جاء به، فهل اتبعت هذا الرسول الكريم؟ هل امتثلت أمره؟ قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ} [النساء من الآية:64].
فاشتغل بعيوب نفسك، واسأل نفسك ما الذي امتثلت من أمر الله وما الذي ضيعته من أمر الله سبحانه؟ هل أنت ممن ستأتي يوم القيامة قائلًا: {يَا حَسْرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ} [الزمر من الآية:56] فيا حسرتا، تعالي وحلي على هذا الشخص الذي فرط في جنب الله.
عظم إثم غيبة الأموات:
أما الأموات فغيبتهم أشد من ثلاثة وجوه أو أربعة:
- أولها: أنهم مسلمون وإخوة لنا، لأن أخوة الإيمان لا تنقطع بالموت فإن الله يقول: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ} [الحشر من الآية:10]، وقال الرسول عليه الصلاة والسلام:«وددت أن أرى إخوة لنا»، قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟! قال: «أنتم أصحابي، إخواني الذين يأتون من بعدي» أو كما قال عليه الصلاة والسلام.
فأخوة الإيمان لا تنقطع بالموت، فللميت حرمة، وحرمته ميتًا كحرمته حيًا، وكسر عظمه ميتًا ككسر عظمه حيًا، هذا أول شيء.
- الشيء الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا»، فرُبَ ميت تقوم بسبه وقد حط رحله في الجنة، قد رضي الله عنه وتجاوز عن سيئاته، وعفى له عما كان من سوء صنيعه واستقر في الجنة، وأنت فيما أنت فيه من هم وبلاء ونكد وشقاء.
- ثالثًا: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا تسبوا الأموات فتؤذوا الأحياء».فلهذه القرائن المجتمعة: لا يسب الأموات، ولا يخاض في أعراضهم.

 




المصدر : المنتدى الاسلامى - من الاستاذ سات
التوقيع

لااله الا الله

رد مع اقتباس