عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 19-05-2014, 03:02 PM
الصورة الرمزية ahmed eassa
ahmed eassa ahmed eassa غير متواجد حالياً
مشرف القسم الاسلامى والسيرفرات المجانية
 




معدل تقييم المستوى: 53 ahmed eassa is on a distinguished road
Talking الغيبة وأخطارها

 




الغيبة وأخطارها

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد الأمين، وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين. وبعد: فبين يدي حديثنا في ليليتنا هذه إن شاء الله نذكر بأننا في شهر من الأشهر الحرم التي قال الله سبحانه وتعالى فيها: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ} [التوبة من الآية:36]، وفصلها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «ثلاث متواليات: ذو القعدة، وذو الحجة، وشهر الله المحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان».وقد قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} ​ [البقرة من الآية:217]، فالإثم في الشهر الحرام ليس كالإثم في غيره، والذنب في الشهر الحرام ليس كالذنب في غيره، فجدير بنا أن نمتثل أمر ربنا سبحانه وتعالى، وأن نحذر ظلم أنفسنا أو ظلم غيرنا من عباد الله، قال تعالى: {فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ} [التوبة من الآية:36].
ما يجب على من سمع الغيبة:
ما هو اللائق بك إذا وجدت قومًا يغتابون الناس؟
يليق بك ألا تشاركهم في الأكل من هذه الجيفة، فلا تشاركهم ولا تلوث لسانك، وتمرض بطنك بهذا القبيح الخبيث. وعليك أن تقف موقف رجل عاقل تنصرهم ظالمين، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا» قالوا: كيف ننصره ظالمًا يا رسول الله؟! قال: «تمنعه من الظلم فذاك نصرك له»، فقف عند هؤلاء وانههم عن المنكر، وذكِّرهم بالله، قل لهم: لا يليق بكم أيها الفضلاء! أن تخوضوا في الأعراض، لا يليق بكم أيها الفضلاء! أن تلوثوا أفواهكم بالخبيث من القول، أنتم طيبون لستم للاغتياب بأهل، فاتقوا الله في أعراض إخوانكم، وليتذكر كل واحد منا قوله عليه الصلاة والسلام: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان».
فلو وجدت قومًا يغتابون الناس فذكِّرهم بالله، تؤجر على هذا التذكير، وترفع درجتك عند الله سبحانه وتعالى.
دعا عتبان بن مالك ذات يوم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيته، فقال: يا رسول الله! تعال إلى بيتي صلّ فيه، أَتَخذ من ذلك المكان الذي صليت فيه مصلى، فذهب النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت عتبان فصلى ثم جلس مع أصحابه، فقد حبسهم عزان على طعام صنعه لهم، فإذا بأصحابه يطعنون في رجل يقال له: مالك بن الدخشن، ويقولون إنه منافق، فما كان من رسولنا محمد عليه الصلاة والسلام إلا أن قال لهم: «أليس قد قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله؟» قالوا: بلى يا رسول الله! ولكن نرى وده ومجلسه مع المنافقين، قال عليه الصلاة والسلام: « إن الله حرّم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله»، فالشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم دافع عن مالك في بيت عتبان.
وكذلك في غزوة تبوك سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن كعب بن مالك: « أين هو؟» فقام رجل يتكلم في كعب بن مالك، قال: يا رسول الله! حبسه برداه، والنظر في عطفيه، أي: عجبه اختياله بثيابه، ونظره في أكتافه وغروره بهذه الثياب وشغله عن الجهاد في سبيل الله، فقام معاذ وقال: لا والله يا رسول الله! ثم قال للرجل: بئس ما قلت، ثم قال: والله يا رسول الله! ما علمنا عليه إلا خيرًا، فدافع عن كعب بن مالك أمام هذا المغتاب.
فإذا جاء رجل يقول: فلان من الناس بخيل، فقل له: يا أخي! اتق الله وهذا لا يجوز وأنا ذهبت إليه وأكرمني، وفلان ذهب إليه وأكرمه، وصنع أعمالًا من المعروف، وإذا قال رجل عن آخر: إنه متكبر، قل له: ليس هكذا يا أخي! أنا رأيته متواضعًا... أنا رأيته يجالس الفقراء... أنا رأيته يحمل متاع الفقراء أحيانًا ويساعدهم... رأيته دعاه فقير من الفقراء إلى بيته فأجاب، فليس هو بمتكبر أبدًا، فدافع عن عرض إخوانك، فمن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة.
فأول واجب عليك أخي المسلم! أن تنهى عن المنكر، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من رد عن عرض أخيه المسلم قيض الله له ملكًا يرد عن وجهه النار يوم القيامة» أو كما قال صلى الله عليه وسلم، فهذا جدير بك.
أما إذا ضعفت أمام هؤلاء الجالسين وكان جمهورهم جمهور قبيح مغتاب، فلا ترضهم أبدًا بسخط الله، قال النبي عليه الصلاة والسلام: « من أرضى الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس، ومن أرضى الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس». فإن لم تستطع الإنكار فاترك هذا المجلس، ولا تحاول إرضاء الأصحاب بمعصية ربهم سبحانه وتعالى، بل اترك المجلس قال تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَىٰ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [الأنعام:68]، وقال سبحانه: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا} [النساء:140].
فلا يليق بك أن تشاركهم في هذا النتن الذي يقولون، وأن تلوث لسانك، وأن تلوث فمك، وأن تضيع حسناتك على هؤلاء الذين تقوم باغتيابهم، فحسناتك تلقائيًا تتحول إلى من اغتبته، ولذلك ورد عن ابن سيرين أن رجلًا أتاه وقال: اغتبتني يا ابن سيرين! قال: أأنت أبي حتى أغتابك، قال: كيف تقول هذا الكلام؟ قال: إني لا أرضى أن تذهب حسناتي على أحد إلا أن تذهب حسناتي لأبي، فلم أكن لأضيع حسناتي لك ولغيرك.
فلا تذهب بحسناتك سدىً بعد أن اجتهدت في تحصيلها، بعدما صليت وصمت وزكيت واعتمرت وحججت لا تضيع الحسنات على أقوام هم في بيوتهم آمنين مطمئنين، وأنت تهدي إليهم هذه الحسنات التي تعبت فيها واجتهدت فيها.
جدير بك أن تكون عاقلًا نبيهًا في كيفية اغتنام الحسنات، هذا واجب عليك أمام مجالس الاغتياب، ولا يليق بك أن تغتاب الصغير أيضًا، فهو مسلم عرضه كعرض المسلمين، ولا يجوز أن يغتاب على الرأي الراجح من أقوال العلماء، وكذلك المجنون لا يجوز أن يغتاب فهو مسلم من المسلمين.
اهتمام الكتاب والسنة ببيان عظيم خطر اللسان:
ولهذا جاءت نصوص الكتاب والسنة تحثنا على قلة الكلام وعدم الإكثار منه، قال تعالى: {لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ} [النساء من الآية:114] أي: لا خير في أكثر الكلام الذي يتكلم به الناس: {لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء:114]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت». قال النووي رحمه الله: "فإن استوى عندك الوجهان في الكلام ولم تدرِ أفي الكلام خيرٌ أم لا؟ فأمسك عن الكلام، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من صمت نجا»، وقوله عليه الصلاة والسلام: «إن الله كره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال»".
ولذلك كانت كلماته عليه الصلاة والسلام قليلة معدودة، قالت عائشة رضي الله عنها: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يتكلم كلامًا لو عده العاد لأحصاه، لم يكن يسرد الحديث سردًا كسردكم".
ولذلك شدد صلى الله عليه وسلم على الاهتمام باللسان الذي هو مصدر الغيبة والنميمة، روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرفوعًا -وقد روي موقوفًا عن أبي سعيد رضي الله عنه، ومن العلماء من قال: له حكم الرفع-: « ما من يوم يصبح فيه العباد إلا والأعضاء كلها تكفر اللسان». أي: تخضع وتذل لللسان، وتلح على اللسان، تقول له: اتق الله فينا فإنما نحن بك، أي: نجاتنا بك، فإن أنت استقمت استقمنا، وإن أنت اعوججت اعوججنا.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد»، ثم قال لمعاذ -فيما حسنه بعض العلماء-: «هل أخبرك بملاك ذلك كله؟»، ثم أمسك بلسانه فقال: «أمسك عليك هذا»، قال: يا رسول الله! أوإنا مؤاخذون بما نتكلم؟ قال: «ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس على وجوههم في النار إلا حصائد ألسنتهم».
وقال النبي عليه الصلاة والسلام كذلك: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يتبين ما فيها يهوي بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب» أخرجه البخاري في صحيحه.
فرُبَّ كلمة توبق على صاحبها دنياه وأخراه، هذا الرجل الذي قال لصاحبه: والله لا يغفر الله لك، قال الله له: من ذا الذي يتألى عليّ ألا أغفر لفلان؟ اذهب فقد غفرت له وأحبطت عملك، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «تكلم والله بكلمة أوبقت عليه دنياه، وأوبقت عليه أخراه».
فيا عباد الله! حافظوا على ألسنتكم، فالغيبة خارمة للمروءة، ومردية في النار، قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «إذا خلص المؤمنون من النار حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار، فيتقاصون مظالم كانت بينهم في الدنيا»، ينجو المسلمون من النار، منهم من أتى بدرجة عليا، إن جئت تشبهها بدرجات الدنيا 90 أو 95%، أو 100%، وكل يأتي طامعًا في الدرجات العلى في الجنان فإذا بأقوام يوقفونه قائلين: قف مكانك! لنا عندك مظالم، اغتبتني يوم كذا وكذا... أكلت مالي يوم كذا وكذا... ضربتني يوم كذا وكذا... طعنت في عرضي يوم كذا وكذا، فهذا ينهش من حسناته، وهذا يأخذ، حتى يصل إلى الدرجات السفلى، أو يوبق كما قال الرسول في حديث المفلس: «أتدرون من المفلس؟ من يأتي يوم القيامة بصلاة وزكاة وحج وصيام ويأتي شتم هذا وضرب هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، حتى إذا فنيت حسناته أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه ثم طرح في النار».
وقد جاءت النصوص عن رسول الله عليه الصلاة والسلام تحذر من الإنسان اللسان أيما تحذير، قال عليه الصلاة والسلام: «من يضمن لي ما بين لحييه» -يعني لسانه- «وما بين رجليه» -يعني فرجه- «أضمن له الجنة؟». هكذا يقول نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم: «من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة؟»، ومن المعلوم أن كل كلمة نتكلم بها تسجل وتحصى، يقول الله عز وجل: {إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الجاثية من الآية:29]. {أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ} [المجادلة من الآية:6]، {وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ . وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ} [القمر:52-53]، وكما قال تعالى: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ . كِرَامًا كَاتِبِينَ . يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} [الانفطار:10-12]. وكما قال: {مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق:18].
فجدير بك أن تحفظ لسانك، وأن تمسك عن الشر، وأن تمسك عن الخوض في أعراض المؤمنين والمؤمنات، قال الحسن البصري رحمه الله: "عجبت والله من قوم يحترز أحدهم غاية الاحتراز من بوله أن يرتد على ثوبه، ولا يحترز من اغتياب المسلمين والمسلمات"، وهو كما قال الحسن رحمه الله، فأعراض المسلمين نتن كما قد سمعتم من كتاب ربكم: {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ} [الحجرات من الآية:12].
المرء مخبوء تحت لسانه:
إذا أردت أن تقيّم شخصًا انظر ما الذي يخرج من فيه، هل خرج منه ثناء على الناس، وستر على المسلمين وستر على المسلمات؟ أم أن الخارج منه طعن في المسلمين وطعن في المسلمات؟ فإذا سمعت الكلم الطيب يخرج من فمه فاعلم أنه على خير، وإن رأيته ثرثارًا طعانًا فاعلم أنه على سوء وشر -والعياذ بالله-.واعلم كذلك أن في إيمانه نظرًا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس المؤمن بالطعان ولا باللعان ولا بالفاحش ولا بالبذيء»، وقال النبي صلوات الله وسلامه عليه: «لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة». وقال سبحانه لنا بما يفيد هذا الأصل -وهو أن الكلمات شعار لقائلها- فقال: {قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ۚ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ} [آل عمران من الآية:118] أي: إن كنتم من أهل الفهم فنحن بينا لكم الآيات من الكلمات التي تخرج من أفواه أعدائكم. وقال سبحانه: {وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ ۚ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ} [محمد:30].
تستطيع أن تقيم من أمامك بشيء من الهدوء، تنظر في كلماته التي تخرج منه، وتنظر في حركاته وفي مدلولات الكلمات، وتعطيه حكمًا بعد ذلك يناسبه أو يناسبك في التعامل معه كذلك. إذا رأيته ثرثارًا كثير الكلام فاعلم أن هذه الثرثرة تجره ولابد إلى اغتياب المسلمين والمسلمات، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن من أبغضكم إليّ وأبعدكم مني مجلسًا يوم القيامة الثرثارون»، والثرثار كما قال الترمذي رحمه الله تعالى: هو كثير الكلام.
الغيبة كبيرة من الكبائر:
وصنف آخرون فقالوا: إن هناك ملابسات تعظم أمر الغيبة وقد تصل بها إلى أكبر الكبائر، فتتوقف هذه الجريمة على قدر المغتاب، وعلى القدر الذي اغتيب به، وعلى المجلس الذي اغتيب فيه، قال الإمام أحمد رحمه الله: "إن لحوم العلماء مسمومة" وقال آخرون: إن اغتياب أهل الفضل والصلاح أشد من اغتياب غيرهم؛ لأن الله قال: «من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب»؛ ولما مرَّ أبو سفيان بسلمان وصهيب وعمار عام الفتح قالوا: والله ما أخذت سيوف الله من عدو الله مأخذها، فقال أبو بكر لهم: أتقولون هذا لسيد قريش؟ ثم انطلق أبو بكر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره الخبر، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «يا أبا بكر! إن كنت أغضبتهم فقد أغضبت ربك عز وجل».
وهذه عائشة رضي الله عنها لما قالت يومًا لرسولنا محمد عليه الصلاة والسلام: حسبك من صفية هكذا يا رسول الله! -وأشارت إلى قصرها- قال صلوات الله وسلامه عليه: «لقد قلتِ كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته».
وصح عن أسامة بن شريك رضي الله تعالى عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن رجل طاف قبل أن يرمي، فقال: لا حرج، فسئل عن رجل نحر قبل أن يرمي، قال: لا حرج، فما سئل في يوم النحر عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: لا حرج لا حرج، إلا على رجل وقع في عرض أخيه المسلم فهذا الذي أصيب بالحرج وأصيب بالهلاك.
فجدير بنا معشر الإخوة أن ننتبه لأنفسنا أمام هذا الداء، فثمّ رجل مع زوجته في فراش الزوجية الذي يفترض فيه أن يحمد الرب سبحانه وتعالى لكونه منّ بهذا الوئام، وبهذا الاجتماع، فتحاول المرأة جاهدة أن ترضي زوجها بذكر عيوب الناس، وبالطعن في الأعراض، هو الآخر يسعى في ذلك، فتتبدل ما بينهما من معيشة إلى نكد وهم وكرب وبلاء. يتساهل زوج من الأزواج فيخرج إلى إخوانه وإلى أشقائه فيخبرهم بحال زوجته في البيت، أو يخبرهم بالخصال التي تكرهها الزوجة، ظنًا منه أنه لا اغتياب بين الزوج وزوجته، وهذا اغتياب يكاد يكون أبشع، وقد يكون أظلم، فيخبر أمه بالذي كان من زوجته، من عدم تنظيف البيت، أو من عدم إدخال الطعام، أو من عدم الإحسان للأولاد، وخفي عليه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ذكرك أخاك بما يكره»، فتلقنه أمه درسًا تقول له: النساء سواها كثير، وتملؤه غيظًا وحقدًا على زوجته، فيرجع إلى البيت وتحدث مشكلة كبرى قد يكسر ما أمامه على إثرها لذنبه الذي صدر منه. وقد يحدث العكس، يذهب الزوج إلى زوجته، فيخبرها بما تكرهه الأم، حينئذٍ تثيره الزوجة على الأم فيحدث له نوع من أنواع العقوق المردي والعياذ بالله.
فهذه أنواع من أنواع الاغتياب يسلكها الناس وهم لا يشعرون، والغيبة كما تكون باللسان تكون بالجوارح كذلك فالمحاكاة على سبيل الإيذاء والازدراء والسخرية تدخل في هذا الباب كذلك، كأن تحكي مشية شخص على سبيل الاستهزاء وعلى سبيل السخرية منه.
وأحيانًا يأتي الشيطان إلى أقوام فيزين لهم الاغتياب تحت ثوب قشيب فيعمد كثير من المتفقهة بزعمهم إلى الاغتياب تحت ستار إحسان الألفاظ، تسأله عن شخص فيقول: الحمد لله الذي هدانا! ويريد بذلك الطعن في أخيه المسلم، أو يقول: الحمد لله على العافية! أو يقول: نسأل الله السلامة! والمستمع يفهم من ذلك النيل الشديد بالمتكلم فيه.
كذلك تأتي امرأة تلبس الاغتياب ثوب الترحم، فتقول -مظهرة الشفقة على أختها المسلمة-: مسكينة فلانة، مسكينة فلانة، مظلومة فلانة، ثم بعد هذه التقدمة والثوب الذي تلبسه للغيبة تقول: صنع بها زوجها كذا وكذا، وقال بها أخوها كذا وكذا، وتذكر كل ما تريد تحت هذا الثوب الذي تصنعت وتسترت به ألا وهو ثوب الترحم على أختها المسلمة. وقد علمت تمام العلم أن أختها المسلمة تكره أن يذكر عنها هذا الذي ذكر تحت أي ثوب كان، وتحت أي شعار كان، فبعضهم يغتاب تحت ثوب الترحم، وتحت ثوب التعجب، عجبت من فلان! ألا تعجب إلى فلان، وتذكر المساوئ، أو تحت ثوب الغضب.
فالله سبحانه يعلم كل ذلك، ويعلم المقاصد ويعلم ما تكن الصدور وما تعلن، ومن ثم يثيبه على ذلك أو يعاقبه، قال الله سبحانه وتعالى في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قال: {فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ} [الفتح من الآية:18] أي: من خير وإيمان، {فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} [الفتح من الآية:18]، فالله يثيب على ما تكنه القلوب، إن شرًا فشر، وإن خيرًا فخير.
حذر السلف وورعهم من الغيبة:
وهذا الداء البغيض قد رأى فريق من أهل العلم إنه يؤثر على الصيام، فيفطر الصائم، واستدلوا على ذلك بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه»، وبقوله عليه الصلاة والسلام: «رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، ورب قائم ليس له من قيامه إلا التعب والنصب» وإن تكلم في إسناده لكن معناه قوي للشاهد الثالث.
فرأى فريق أن الغيبة تؤثر في الصيام، بل بالغ بعضهم وقال: إنها تفطر الصائم، وإن كان الجمهور على خلاف ذلك، لكن هذا يبين مدى خطر الاغتياب. ومنهم من أورد سببًا لورود حديث: «أفطر الحاجم والمحجوم» وإن كان في السبب نظر من جهة الإسناد أن المرأتين كانتا تغتابان الناس، أو أن الرجلين كانا يغتابان الناس، فقال: «أفطر الحاجم والمحجوم».
وذهب فريق آخر من أهل العلم إلى أن الغيبة تنقض الوضوء، وقد وردت جملة من الأحاديث في هذا الباب، لكن في أسانيدها مقال، والجمهور على أنها لا تنقض الوضوء، لكن على كل حال هذا يبين خطر هذه الغيبة.
وقال فريق من أهل المعاني: عجبت والله من أمر رجل يغتاب المسلمين ثم يقوم إلى الصلاة وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مضمضوا من اللبن فإن له دسمًا» واللبن حلال، فكيف نؤمر بالمضمضة من اللبن الحلال الذي له دسم، ولا نمضمض من النتن المتسرب إلى الأفواه من جراء أكل لحوم العباد.
فجدير أن نتبع هذا القول بأن يقال: إن المضمضة اللائقة بهذا هي الاستغفار والدعاء لهذا الذي قد اغتيب، والثناء على هذا الذي قد اغتيب، فهو دواء لازم وواجب على كل من اغتاب، على ما سيأتي بيانه إن شاء الله تبارك وتعالى.
ثم إن هذا الاغتياب من خوارم المروءة لا شك، وأنت كمسلم عاقل رزين تستطيع أن تقيم الشخص الذي أمامك من الكلمات التي تصدر منه. كان عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى إذا ذكر عنده رجل بثناء حسن سأل: كيف هو إذا ذكر عنده أصحابه هل يطعن فيهم أم يثني عليهم؟ فإن قالوا: دائم الثناء على الناس، قال: إني أرجو له الخير، وإن كان دائم الطعن في الناس، قال: والله إني لا أظن الذي تظنون، أي: لا أظن به هذا الظن الحسن الذي تظنون.
وأحسن من هذا قول الله تبارك وتعالى: {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ ۖ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ} [النور من الآية:26] فأقوى الأقوال في تأويل هذه الآية أن الكلمات الطيبة تصدر من الأفواه الطيبة، ومن أصحاب القلوب الطيبة، والكلمات الخبيثة تصدر من الخبثاء، فهم لها أهل.
مدى اهتمام الشرع برعاية وصون الأعراض:
ونذكر بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في شهر من هذه الأشهر الحرم ألا وهو شهر ذي الحجة، وفي أفضل يوم فيه، وهو يوم النحر وفي أفضل بقعة من البقاع وهي مكة، قال صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «أتدرون أي يوم هذا؟»، قالوا: الله ورسوله أعلم، -ظنًا منهم أنه يريد أن يسميه بغير اسمه-، فقال: «أليس بيوم النحر؟»، قالوا: بلى يا رسول الله! قال: «أتدرون أي شهر هذا؟»، قالوا: الله ورسوله أعلم -ظنًا منهم أنه يريد أن يسميه بغير اسمه-، قال: «أليس بذي الحجة؟»، قالوا: بلى يا رسول الله! قال: «أتدرون أي بلدة هذه؟»، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «أليست البلدة؟»، قالوا: بلى يا رسول الله! -يعنون البلدة التي قال الله فيها: {إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَـٰذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ} [النمل من الآية:91]-، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذه، ألا هل بلغت اللهم فاشهد، ألا هل بلغت اللهم فاشهد، ألا فليبلغ الشاهد منكم الغائب، فلعل بعض من يبلغه أن يكون أوعى له من بعض من سمعه سمع».
فبيَّن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن حرمة الدماء وحرمة الأموال وحرمة الأعراض عظيمة عند الله كحرمة البلد الحرام، مع حرمة يوم النحر، مع حرمة شهر ذي الحجة.
إذًا فلنتناول في ليلتنا هذه شيئًا مما تضمنه هذا الحديث، ومما تضمنته هذه الوصية الجامعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم. نتناول داءً عضالًا ألم بأمة محمد صلى الله عليه وسلم، ألم بكبيرها وبصغيرها، ألم بذكرانها وإناثها، ألم بعالمها كما ألم بجاهلها، ألم برؤسائها كما ألم بالمرءوسين، ألا وهو داء الغيبة أعاذنا الله وإياكم منه. هذا الداء به قطعت أواصر المودة والمحبة بين أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وجلبت الشحناء، وجلبت البغضاء، وذهبت حسنات أناس سدى، أناس اجتهدوا في الصلوات واجتهدوا في الصدقات، واجتهدوا في الحج والاعتمار، وضيعوا الحسنات باغتيابهم للمؤمنين والمؤمنات.
تعريف الغيبة:
فلنتناول شيئًا مما يتعلق بهذا الداء من أحكام وآداب، والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله. داء الغيبة متفشٍ ومنتشر في أوساط أمة محمد صلى الله عليه وسلم، والغيبة عرفها رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ورد في صحيح مسلم: «أتدرون ما الغيبة؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: « ذكرك أخاك بما يكره»، قيل: يا رسول الله! أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟! قال: «إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته».




 




المصدر : المنتدى الاسلامى - من الاستاذ سات
التوقيع

لااله الا الله

رد مع اقتباس