عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 18-02-2014, 11:56 PM
youyou16dz youyou16dz غير متواجد حالياً
استاذ جديد
 




معدل تقييم المستوى: 38 youyou16dz will become famous soon enough youyou16dz will become famous soon enough
Thumbs up نماذج من الرقابة الدستورية في صدر الإسلام

 

نماذج من الرقابة الدستورية في صدر الإسلام


ومما يُورَد مثالاً للرقابة الدستورية في عهد الخلفاء الراشدين: ما روي من أنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه صعد المنبر ثم قال: (أيها الناس ما إكثاركم في صداق النساء وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الصدقات فيما بينهم أربعمائة درهم فما دون ذلك ولو كان الإكثار في ذلك تقوى عند الله أو كرامة لم تسبقوهم إليها فلأعرفن ما زاد الرجل في صداق امرأة على أربعمائة درهم، قال: ثم نزل فاعترضته امرأة من قريش، فقالت: يا أمير المؤمنين نهيت الناس أن يزيدوا في مهر النساء على أربعمائة درهم؟ قال: نعم فقالت: أما سمعت ما أنزل الله في القرآن، قال: وأي ذلك قالت أما سمعت الله يقول الآية، قال: فقال: اللهم غفرا كل الناس أفقه من عمر ثم رجع فركب المنبر، فقال: أيها الناس إني كنت نهيتكم أن تزيدوا النساء في صدُقاتهن على أربعمائة درهم فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحب، قال أبو يعلى: وأظنه قال: فمن طابت نفسه فليفعل)..

و هذه القصّة لو ثبتت لصحّت مثالاً للعدول عن قرار رئاسي نتيجة الطعن الدستوري عليه؛ غير أنَّ الرواية متكلم في سندها ومتنها عند جمع من أهل العلم بالحديث!
والثابت المشهور عن الفاروق رضي الله عنه أنَّه من أشدّ النّاس حفاظا على الشرعية (الدستورية) وحمايتها؛ وفقهه السياسي المقاصدي مضرب مثلٍ، بل أفردت في منهجه الفقهي السياسي مؤلفات، وهو الوقّاف عند حدود الله، رضي الله عنه وأرضاه ..

ومما ذُكر من أمثلة الرقابة الدستورية في الدولة الأموية: قضية أهل سمرقند، وذلك أنَّهم بعثوا خطاباً مع وافدٍ لهم إلى الخليفة الزاهد الراشد : عمر بن عبدالعزيز -رحمه الله- يتضمن دعوى بعدم الدستورية لما جرى لهم من الجيش الإسلامي الذي فتح مدينتهم، جاء فيها: أنَّ القائد قتيبة بن مسلم الباهلي دخل مدينتهم (سمرقند) وأسكنها المسلمين على غدر- دون أن يدعوهم للإسلام أو الجزية! أي أنّه لم يلتزم بالدستور الذي ينصّ على وجوب دعوتهم إلى (الإسلام) قبل قتالهم، فإن لم يقبلوا الدخول فيه، فدعوتهم إلى الدخول في الحكم الإسلامي مع بقائهم على دينهم ويتأكّد ذلك بقبول دفع الجزية! وهذا مقتضى النصّ الدستوري الصريح في قول النبي صلى الله عليه وسلم إذا أمّر أميراً على جيش أو سريّة: (فإذا لَقِيتَ عَدُوُكَ مِنَ المُشْرِكِينَ فادْعُهُمْ إلى ثلاثِ خِصَالٍ (أو خِلاَلٍ) فأيّتهن ما أجَابُوكَ فاقْبَلْ مِنْهُمْ وكُفّ عنْهُمْ: (ثم) [1] ادْعُهُمْ إلى الإسلامِ فإن أجَابُوكَ فاقْبَلْ مِنْهُمْ...فإنْ هم أبَوْا فاسألهم الجِزْية، فإن هم أجَابُوكَ فاقْبَلْ مِنْهُمْ وكُفّ عنْهُمْ، فإنْ هم أبَوْا فَاسْتَعِنْ بالله وَقَاتِلْهُمْ) رواه مسلم. ولا شكّ أنَّ هذا الحكم لا يخفى على الخليفة العالم عمر بن عبد العزيز رحمه الله؛ ولذلك بادر بالكتابة إلى عامله يأمره أن ينصب لهم قاضيا لينظر في مدى تحقق صحة الطعن الذي تقدم به وفد أهل سمرقند على عمليات الجيش الإسلامي هناك، فإن تحقق من صحة ما قال الوفد السمرقندي، قضى بإخراج المسلمين فأُخرجوا؛ فنصب لهم جُمَيْع بن حاضر الناجي "الذي فحص الطعن وأصدر حكما بعدم دستورية (شرعية) دخول الجيش الإسلامي للمدينة" كما يقول د. أحمد أمين؛ لعدم تطبيق القائد شروط الهجوم والاقتحام، وهو خلل دستوري؛ فحَكَم القاضي جُمَيع بن حاضر-رحمه الله- بإخراج المسلمين؛ فَكَرِه أهل مدينة سمرقند الحرب، وأقرُّوا المسلمين، فأقاموا بين أظهرهم .

ومما ذُكِر من أمثلة الرقابة الدستورية في أوائل الدولة العبّاسية: تصدّي القاضي يحيى بن أكثم للدستورية بنفسه، حين علم بقرار الخليفة المأمون –لشبهة عرضت له- إصدار قراراً يجيز نكاح المتعة [الذي تحدد مدته أو أمده وينتهي بانتهائه] مع أنَّ نكاح المتعة محرّم وباطل بالإجماع الصحيح؛ فقد جاء في طبقات الحنابلة أنَّ المأمون كان في طريق الشام، فأمر فنودي بتحليل المتعة [نكاح المتعة] ، فعلم بذلك القاضي يحيى بن أكثم، فجاء إلى مجلس المأمون، فقال: المأمون ليحيى مالي أراك متغيراً؟
فقال: هو غم يا أمير المؤمنين لما حدث في الإسلام!
قال: وما حدث فيه؟
قال: النداء بتحليل الزنا!!
قال: الزنا؟!
قال: نعم! المتعة زنى..
قال: ومن أين قلت: هذا؟
قال: من كتاب الله وحديث رسوله -صلى الله عليه وسلم- قال الله تعالى: ) قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ[، يا أمير المؤمنين: زوجة المتعة ملك يمين؟
قال: لا.
قال: فهي الزوجة التي عنى الله عز وجل ترث وتورث ويلحق بها الولد ولها شرائطها؟
قال: لا.
قال: فقد صار متجاوز هذين من العادِين، وهذا الزهري يا أمير المؤمنين روى عن عبد الله والحسن ابني محمد بن الحنفية عن أبيهما محمد عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- قال: أمرني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن أنادي بالنهي عن المتعة وتحريمها بعد أن كان أمر بها.
فالتفت المأمون إلى بعض من حولَه، فقال: أمحفوظ هذا من حديث الزهري؟ فقال بعض من حوله: نعم يا أمير المؤمنين رواه جماعة منهم مالك، فقال: أستغفر الله نادُوا بتحريم المتعة فنادَوا بها .

قال د.أحمد أمين معلقاً على هذه الواقعة: "هذه دعوى شرعية أو ما يُعرف في عصرنا دعوى دستورية، تصدّى فيها القاضي للدستورية من تلقاء نفسه؛ فحضر مجلس الخليفة، وناقش الخليفة في مدى شرعية هذا(التشريع)! وانتهت المناقشة بأن أصدر القاضي حكماُ بعدم شرعية(التشريع) -الذي أباح زواج المتعة- وإلغاءه[هكذا]، وعلى الفور سارع الخليفة أمير المؤمنين-أي رئيس الدولة- إلى تنفيذ حكم القضاء بإلغاء(تشريعه)؛ حيث أمر المنادي بأن ينادي بتحريم المتعة.".
وبه تنتهي الحديث هنا عن نماذج من الرقابة الدستورية في صدر الإسلام ..
_______________
[1] ورد في صحيح مسلم: (ثم ادعهم...) . قال القاضي عياض: صواب الرواية: ادعهم، بإسقاط (ثم) كما في بعض الروايات؛ لأنه تفسير للخصال الثلاث. وقال المازري: ليست زائدة، بل دخلت لاستفتاح الكلام والأخذ . نقله عنهما النووي رحمه الله ..

 




المصدر : المنتدى الاسلامى - من الاستاذ سات
رد مع اقتباس