الموضوع: قصص الانبياء
عرض مشاركة واحدة
  #52  
قديم 29-05-2006, 11:58 PM
الصورة الرمزية حموو
حموو حموو غير متواجد حالياً
استاذ فعال
 




معدل تقييم المستوى: 44 حموو will become famous soon enough حموو will become famous soon enough
افتراضي مشاركة: قصص الانبياء

 

قصة عيسى ابن مريم عليه السلام
وقوله:
{فإما ترين من البشر أحداً فقولي إني نذرت للرحمن صوماً فلن أكلم اليوم إنسياً}
وهذا من تمام كلام الذي نادها من تحتها قال:
{كلي واشربي وقري عيناً فإما ترين من البشر أحداً}
أي: فإن رأيت أحداً من الناس (فقولي) له أي: بلسان الحال والإشارة (إني نذرت للرحمن صوماً) أي: صمتاً، وكان من صومهم في شريعتهم ترك الكلام والطعام، ويدل على ذلك قوله: (فلن أكلم اليوم إنسياً) فأما في شريعتنا فيكره للصائم صمت يوم إلي الليل.
وقوله تعالى:
{فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئاً فريا * يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوءٍ وما كانت أمك بغيا} (سورة مريم:27ـ28)
ذكر كثير من السف ممن ينقل عن أهل الكتاب أنهم لما افتقدوها من بين أظهرهم ذهبوا في طلبها، فمروا على محلتها والأنوار حولها، فلما واجهوها وجدوا معها ولد فقالوا له: (لقد جئت شيئاً فريا) أي: أمراً عظيماً منكراً، وفي هذا الذي قالوه نظر، مع أنه كلام ينقض أوله آخره، وذلك لأن ظاهر سياق القرآن العظيم يدل على أنها حملته بنفسها وأتت به قومها وهي تحمله، قال ابن عباس: وذلك بعد ما تعالت من نفاسها بعد أربعين يوماً. والمقصود أنهم لما رأوها تحمل معها ولدها (قالوا يا مريم لقد جئت شيئاً فريا) والفرية: هي الفعلة المنكرة العظيمة من الفعال والمقال. ثم قالوا لها: (يا أخت هارون) قيل: شبهوها بعابد من عباد زمانهم كانت تسامية في العبادة، وكان اسمه هارون، قاله سعيد بن جبير، وقيل: أرادوا بهارون أخا موسى شبهوها به في العبادة، وأخطأ محمد كعب القرظي في زعمه أنها أخت موسى وهارون نسباً، فإن بينهما من الدهور الطويلة ما لا يخفي على أدنى من عنده من العلم ما يرده عن هذا القول الفظيع، وكأنه غره أن في التوراة أن مريم أخت موسى وهارون ضربت بالدف يوم نجى الله موسى وقومه وأغرق فرعون وملأه، فاعتقد أن هذه هي هذه.
وهذا في غاية البطلان والمخالفة للحديث الصحيح مع نص القرآن، كما قررناه في التفسير مطولاً، ولله الحمد والمنة. وقد ورد في الحديث الصحيح الدال على أنه قد كان لها أخ اسمه هارون، وليس في ذكر قصة ولادتها وتحرير أمها لها ما يدل على أنها ليس لها أخ سواها، والله أعلم. قالوا: (ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا) أي: لست من بيت هذه شيمتهم ولا سجيتهم ولا أخوك ولا أمك ولا أبوك، فاتهموها بالفاحشة العظمى ورموها بالداهية الدهياء. فذكر ابن جرير في تاريخه أنهم اتهموا بها زكريا وأرادوا قتله ففر منهم فلحقوه، وقد انشقت له الشجرة فدخلها، وأمسك إبليس بطرف ردائه فنشروه فيها كما قدمنا ومن المنافقين من اتهمها بابن خالها يوسف بن يعقوب النجار.
فلما ضاق الحال وانحصر المجال وامتنع المقال، عظم التوكل على ذي الجلال، ولم يبق إلا الإخلاص والاتكال، (فأشارت إليه) أي: خاطبوه وكلموه، فإن جوابكم عليه وما تبغون من الكلام لديه، فعندها: (قالوا) من كان منهم جباراً شقياً: (كيف نكلم من كان في المهد صبياً) أي: كيف تحيليننا في الجواب على صبي صغير لا يقبل الخطاب، وهو مع ذلك رضيع في مهده، ولا يميز بين مخض المخض وزبده، وما هذا منك إلا على سبيل التهكم بنا والاستهزاء والتنقص والازدراء إذ لا تردين علينا قولاً نطقيا، بل تحيلين في الجواب على من كان في المهد صبياً فعندها:
{قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبياً * وجعلني مباركاً أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً * وبراً بوالدتي ولم يجعلني جباراً شقياً * والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حياً} (سورة مريم:30ـ33)
هذه أول كلام تفوه به عيسى ابن مريم، فكان أول ما تكلم به أن (قال إني عبد الله) اعترف لربه تعالى بالعبودية، وأن الله ربه، فنزه جناب الله عن قول الظالمين في زعمهم انه ابن الله، بل هو عبده ورسوله وابن أمته، ثم برأ أمه مما نسبه إليها الجاهلون وقذفوها به ورموها بسببه بقوله: (آتاني الكتاب وجعلني نبياً) فإن الله لا يعطي النبوة من هو كما زعموا، لعنهم الله وقبحهم، كما قال تعالى:
{وبكفرهم وقولهم على مريم بهتاناً عظيماً} (سورة النساء:156)
وذلك أن طائفة من اليهود في ذلك الزمان قالوا: إنها حملت به من زني في زمن الحيض، لعنهم الله، فبرأها الله من ذلك، وأخبر عنها أنها صديقة، واتخذ ولدها نبياً مرسلاً أحد أولى العزم الخمسة الكبار، ولهذا قال: (وجعلني مباركاً أين ما كنت) وذلك أنه حيث كان دعا إلي عبادة الله وحده لا شريك له، ونزه جنابه عن النقص والعيب من اتخاذ الولد والصاحبة تعالى وتقدس: (وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً)، وهذه وظيفة العبيد في القيام بحق العزيز الحميد بالصلاة، والإحساس إلي الخليقة بالزكاة، وهي تشتمل على طهارة النفوس من الأخلاق الرذيلة وتطهير الأموال الجزيلة بالعطية للمحاويج على اختلاف الأصناف، وقرى الأضياف، والنفقات على الزوجات والأرقاء والقرابات، وسائر وجوه الطاعات وأنواع القربات.
ثم قال: (وبراً بوالدتي ولم يجعلني جباراً شقياً) أي: وجعلني برا بوالدتي، وذلك أنه تأكد حقها عليه لتمحض جهتها إذ لا والد له سواها، فسبحان من خلق الخليقة، وبرأها، وأعطى كل نفس هداها (ولم يجعلني جباراً شقياً) أي: لست بفظ ولا غليظ، ولا يصدر مني قول ولا فعل ينافي أمر الله وطاعته. (والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حياً) وهذه المواطن الثلاثة التي تقدم الكلام عليها في قصة يحيى بن زكريا عليهما السلام.
ثم لما ذكر تعالى قصته على الجلية وبين أمره ووضحه وشرحه قال:
{ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون * ما كان لله أن يتخذ من ولد، سبحانه، إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون}
كما قال تعالى بعد ذكر قصته وما كان من أمره في آل عمران:
{ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم * إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون * الحق من ربك فلا تكن من الممترين * فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين * إن هذا لهو القصص الحق، وما من إله إلا الله، وإن الله لهو العزيز الحكيم * فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين} (سورة آل عمران:58ـ63)
ولهذا لما قدم وفد نجران وكانوا ستين راكباً يرجع أمرهم إلي أربعة عشر منهم ويثول أمر الجميع إلي ثلاثة هم أشرافهم وساداتهم، وهم العاقب والسيد وأبو حارثة بن علقمة، فجعلوا يناظرون في أمر المسيح، فأنزل الله صدر سورة آل عمران في ذلك، وبين أمر المسيح ابتداء خلقه وخلق أمه من قبله، وأمر رسوله بأن يباهلهم إن لم يستجيبوا له ويتبعوه، فلما رأوا عينيها وأذنيها نكلوا ونكصوا، وامتنعوا عن المباهلة، وعدلوا إلي المسالمة والموادعة، وقال قائلهم وهو العاقب عبد المسيح: يا معشر النصارى لقد علمتم أن محمداً لنبي مرسل، ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم، ولقد علمتم أنه ما لا عن قوم نبياً قط فبقى كبيرهم ولا نبت صغيرهم، وإنها للاستئصال منكم إن فعلتم، فإن كنتم قد أبيتم إلا إلف دينكم والإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم فوادعوا الرجل وانصرفوا إلي بلادكم، فطلبوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألوه أن يضرب عليهم جزية وأن يبعث معهم رجلاً أميناً، فبعث معهم أبا عبيدة بن الجراح.
والمقصود أن الله تعالى بين أمر المسيح فقال لرسوله:
{ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون}
يعني: من أنه عبد مخلوق من امرأة من عباد الله، ولهذا قال:
{ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون}
أي: لا يعجزه شيء ولا يكترثه ولا يئوده، بل هو القدير الفعال لما يشاء
{إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون} (سورة يس: 82)
وقوله:
{إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم} (سورة مريم: 36)
هو من تمام كلام عيسى لهم في المهد، أخبرهم أن الله ربه وربهم وإلهه وإلههم، وأن هذا هو الصراط المستقيم قال الله تعالى:
{فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم} (سورة مريم: 37)
أي: فاختلف أهل ذلك الزمان ومن بعدهم فيه. فمن قائل من اليهود: إنه ولد زنية، واستمروا على كفرهم وعنادهم. وقابلهم آخرون في الكفر فقالوا: هو الله، وقال آخرون: هو ابن الله

 




المصدر : المنتدى الاسلامى - من الاستاذ سات
رد مع اقتباس